وهذا الخلاف كسابقه؛ فإن الظاهر من رواية الهيثم بن حميد حكاية مكحول لقصة الحارث بن معاوية وصاحبه القرشي - وهو أبو جندل - مع بلال.
والظاهر أن يحيى بن حمزة قد اختصر الحديث، وأجمل الإسناد، وقد قُدِّم الهيثم بن حميد على يحيى في الحديث، ووصف بأنه أشد تحفُّظًا.
ثالثًا: الخلاف على محمد بن عبدالله الشعيثي:
اختُلف عن الوليد بن مسلم، عنه:
• فقال هشام بن خالد الأزرق عن الوليد: عن مكحول، عن أبي جندل بن عمرو بن سهيل وعن الحارث بن معاوية الكندي، أنهما كانا يتوضآن عند ميضأة مسجد دمشق، إذ أقبل بلال ... ، فذكره،
• وقال عمرو بن عثمان عن الوليد: عن مكحول، عن الحارث بن معاوية الكندي، عن بلال.
وسياقة هشام بن خالد تفيد حكاية مكحول للقصة، وسياقة عمرو بن عثمان تفيد روايته إياها عن الحارث بن معاوية.
ورواية هشام بن خالد أطول أكثر تفصيلاً، فقد ساق القصة كاملة، وسؤال الرجلين لبلال، وجوابهما له، وأما رواية عمرو بن عثمان فمختصرة مجملة، والظاهر أن هشام بن خالد أكثر ضبطًا لهذا الحديث، وروايته أولى بالصواب عن الشعيثي.
رابعًا: الخلاف على مكحول:
تلخص مما سبق أنه اختُلف عن مكحول على أوجه:
• فرواه عبيدالله بن عبيد الكلاعي عن مكحول، عن أبي جندل بن سهيل والحارث بن معاوية، عن بلال.
• ورواه ثابت بن ثوبان عن مكحول، عن سهيل بن أبي جندل والحارث بن معاوية، عن بلال.
• ورواه محمد بن إسحاق عن مكحول، عن الحارث بن معاوية وصاحب له، عن بلال.
• ورواه إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة عن مكحول، عن الحارث بن معاوية فقط، عن بلال.
• ورواه المغيرة بن زياد والعلاء بن الحارث والنعمان بن المنذر ومحمد بن يزيد الدمشقي ومحمد بن عبدالله الشعيثي وسعيد بن عبدالعزيز عن مكحول، عن بلال، حيث ذكر المغيرة والعلاء والشعيثي وسعيد بن عبدالعزيز القصةَ من كلام مكحول، فكأنه رواه عن بلال مباشرة.
• ورواه محمد بن راشد والأوزاعي - من رواية معاذ بن محمد عنه - عن مكحول، عن نعيم بن همار، عن بلال.
والأوجه الأربعة الأولى كالوجه الواحد، سوى أن ثابت بن ثوبان قلب اسم أبي جندل بن سهيل خطأً، قال الدارقطني: (فرواه ثابت بن ثوبان والعلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي جندل بن سهيل والحارث بن معاوية، عن بلال، قال ذلك العلاء بن الحارث، وقال ابن ثوبان: سهيل بن أبي جندل، وقول العلاء بن الحارث أشبه بالصواب) [2] ( http://majles.alukah.net/#_ftn2)، وسوى أن ابن إسحاق أبهم اسم أبي جندل بن سهيل، قال الدارقطني: (وقال ابن إسحاق عن مكحول، عن الحارث بن معاوية، وصاحب له -لم يسمه-، وهو أبو جندل بن سهيل) [3] ( http://majles.alukah.net/#_ftn3)، وسوى أن ابن أبي فروة اقتصر على الحارث بن معاوية.
ورواة هذه الرواية مختلفو الرتب، فأوثقهم ثابت بن ثوبان، وهو ثقة، والكلاعي وابن إسحاق صدوقان، وأما ابن أبي فروة فمتروك لا يشتغل بروايته.
وأما رواة الوجه الآخر؛ فمع كونهم أكثر؛ فإن فيهم المقدمون في مكحول: العلاء بن الحارث وسعيد بن عبدالعزيز.
ورواية الوجه الثاني بكون مكحول يحكي قصة أبي جندل والحارث بن معاوية مع بلال= تبيِّن سبب دخول الخلل على من رواه على الوجه الأول؛ حيث إن مكحولاً إنما يروي القصة من تلقاء نفسه، فظن بعضهم أنه يرويها عمَّن حصلت له، أو اختصر الأمر وأجمل الإسناد؛ فرواه كذلك، وهو خطأ.
وأما رواية محمد بن راشد والأوزاعي عن مكحول، فمحمد بن راشد صدوق له مناكير، ولا تصح رواية الأوزاعي؛ إذ إن راويها عنه (معاذ بن محمد) ضعيف، في حديثه وهم، وربما اختلط عليه حديث محمد بن راشد بحديث الأوزاعي [4] ( http://majles.alukah.net/#_ftn4)، ولعل هذا الحديث من ذلك، فمدار رواية مكحول عن نعيم بن همار عن بلال على محمد بن راشد، وهو المعروف بها، ورواية الأوزاعي غريبة.
ومن ثم، فالراجح عن مكحول: رواية الأكثر والأوثق عنه، وهي روايته الحديث بقصَّته عن بلال مباشرة.
ومكحول متأخر عن إدراك بلال -رضي الله عنه-، ونص على كون روايته عنه مرسلة: الدارقطني [5] ( http://majles.alukah.net/#_ftn5)، بل قد نُصَّ على أن مكحولاً لم يسمع إلا من بعض آحاد الصحابة، ليس أحدهم بلال.
¥