ثانيًا: أن اعتبار الحديث حديثين مختلفين، وطريقين مستقلَّين منهج مخالفٌ لما عليه أهل الحديث من أئمته النقاد في التعامل مع هذا الحديث؛ فقد صرَّح الثوري وابن مهدي وأحمد وابن معين وابن المديني ومسلم والنسائي والدارقطني والبيهقي بأن الحديث حديثٌ واحد، وأنه يُنظر فيه - مع اتحاد مخرجه - إلى الراجح عن المغيرة، والمعوَّل على إجماع هؤلاء واتفاقهم.
وأما ما ذهب إليه بعض المتأخرين من التفريق بين الحديثين، فلعله من تأثير منهج الفقهاء والأصوليين عليهم؛ حيث اعتبر مَن سبق ذكره مِن الأئمة في تعليل الحديث كونَهُ حديثًا واحدًا عن المغيرة، واعتبروا روايةَ الجمع الكثير الحديثَ عنه بذكر المسح على الخفين، وانفرادَ هذا الراوي - المتكلم فيه - بذكر الجوربين، وأما بعض المتأخرين؛ فتخلَّص من ذلك بالتجويزات العقلية، وطرحِ احتمالات تعدد الحادثة، وإمكانية التحمل والأداء على غير وجه، وهذه التجويزات - كما هو لائح في التعامل مع هذا الحديث وغيره - "لا يلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله ... ، ولهم ذوقٌ لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات" [7] ( http://majles.alukah.net/#_ftn7)، وما دام الحديث في مسائل التصحيح والتضعيف، والكلام في الأسانيد؛ فالقول قول أولئك الأئمة؛ فهم أئمة هذا الفن وروَّاده الأوائل ومؤسسوه وواضعو قواعده، وهم أعلم به ممن جاء بعدهم - بلا شك -.
وقولهم في كون حديث المغيرة واحدًا أوجه وأعدل وأولى؛ لأمور:
أحدها: أن القصة التي ذكرها الجمهور عن المغيرة مذكورة في بعض طرق رواية أبي قيس عن هزيل عنه، إذ ذكر يحيى الحماني عن أبيه وابن المبارك، وذكر هو ومحمد بن رافع عن زيد بن الحباب، بإسناد ثلاثتهم عن المغيرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بال، فتوضأ، ومسح على الجوربين والنعلين. فذكر قضاء النبي -صلى الله عليه وسلم- حاجته، ووضوءه، ومسحه، وهذا ما ذكره عامة الرواة عن المغيرة.
ثانيها: أن الاختصار في رواية الحديث أمر شائع معروف عندهم، ولما كانت القصة معروفة مشهورة من الطرق الأخرى؛ لم يكن لتردادها في حديث أبي قيس عن هزيل حاجة، فاختصرها الرواة، واقتصروا على ما أغرب به أبو قيس من كون المسح على الجوربين لا الخفين.
ثالثها: أن الأصل في حديث المغيرة في المسح: أنه حديثٌ واحد، سمعه منه الرواة على وجه واحد، والعدول عن هذا الأصل بلا دليل تحكُّم؛ إذ لا بد من إقامة الدليل على كون الحديث حديثين، والواقعة واقعتين، بنصٍّ في الرواية، أو نحو ذلك، ولا شيء من ذلك هنا، فلم يكن له وجه.
ثالثًا: أنه على التسليم بكون الحديث حديثًا مستقلاًّ - وهذا بعيد؛ لما سبق -؛ فإن تفرد أبي قيس بحديث المسح على الجوربين فيه نظر، والتفرد ربما لم يقبله الأئمة من الثقات، فكيف بهذا الصدوق الذي أنكرت عليه أحاديث.
الثالث -مما رُدَّ به إعلال هذا الحديث-: قول الشيخ أحمد شاكر: "ثم إن الحكم على رواية هذا الحديث بتخطئة الرواة الثقات حكم دون دليل كما بينَّا، وقد تابعه على روايته هذه عمل الصحابة الذين حكى ابن القيم الحجة بعملهم؛ فهو لم يروِ حكمًا شاذًّا مخالفًا لم يقل به أحد، بل روى عملاً ثبت أن الصحابة هؤلاء عملوا به وأخذوا بحكمه" [8] ( http://majles.alukah.net/#_ftn8).
فأما كون المُخطَّأ هنا "الثقات"؛ فلا يسلم به، إذ المُخطَّأ أبو قيس لا يبلغ مرتبة الثقة، وأما كون التخطئة بغير دليل؛ فادعاء غير صحيح، وقد سبق من الدلائل ما يكفي للجزم بخطأ هذا الراوي فيه، وأما كون عمل الصحابة تابع روايةَ أبي قيس بذكر الجوربين، وأنه لم يروِ حكمًا شاذًّا مخالفًا لم يقل به أحد؛ فلا ينازع فيه، إلا أنه خارج محل النزاع، فالنزاع في صحة هذا الحديث عن المغيرة مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا في صحة العمل بمقتضاه.
وإن صح استفادةُ الروايةِ الضعيفةِ القوةَ من الموقوفات؛ فذلك فيما لم يظهر أنه خطأ ووهم، وليس ذلك بمتحقق هنا، والخطأ لا يتقوى بغيره؛ لأنه وهم توهَّمه راويه، ليس له أصل صحيح.
ب- رواية عمرو بن وهب عن المغيرة:
¥