ـ[سلمان أبو زيد]ــــــــ[01 - Jul-2010, صباحاً 11:36]ـ
توطئة:
مضى في الحلقة السابقة تخريج حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- في المسح على الجوربين، وتبيَّن أنه قد تفرد به أبو قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة، وأن الأئمة قد أنكروه وردُّوه.
وأعرض في هذه الحلقة أجوبة بعض المتأخرين عن تضعيف الحديث، مع مناقشتها، ثم أدرس بقية طرق الحديث. والله الموفق.
قد أجاب بعض من صحح حديث المغيرة في المسح على الجوربين بأجوبة:
الأول: قال ابن التركماني: (وأبو قيس عبدالرحمن بن ثروان وثقه ابن معين، وقال العجلي: "ثقة ثبت"، وهزيل وثقه العجلي، وأخرج لهما معًا البخاري في صحيحه) [1] ( http://majles.alukah.net/#_ftn1).
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن حال أبا قيس لا يكفي فيها هذا الإجمال، وقد سبق أنه صدوق له ما ينكر -على قلة حديثه-.
ثانيها: أن وجود حديث الراوي في الصحيح، وتوثيق الأئمة له لا يمنع خطأه، ولا بد للثقة من الوهم.
ثالثها: أن هذا احتجاجٌ بأقوال الأئمة على أقوالهم أنفسهم؛ فالبخاري الذي أخرج حديث أبي قيس؛ قد نقل إنكار بعض الأئمة لحديثه بما يشبه الإقرار، وأحمد الذي قال عن أبي قيس -في رواية-: (ليس به بأس)؛ أنكر حديثَه هذا وخطَّأه، وكذلك أشار إلى خطئه ابن معين مع أنه وثقه، وغمز الدارقطني أبا قيس بهذا الحديث؛ مع أنه قال فيه: (ثقة)، ولا يستقيم مع ذلك أن يُحتَجَّ بأحد قولي الإمام على قوله الآخر؛ إذ إنهم كانوا يعرفون حين غلَّطوا أبا قيس -للعلل السابقة- أنه ثقة، وليس من شرط الثقة عندهم ألا يخطئ، وهذا نصُّ أحمد، قال -وقد سبق-: (ليس به بأس، قد أنكروا عليه حديثين، أحدهما: حديث المغيرة في المسح ... )، فالنظر إلى توثيق الراوي وصدقه -فحسب- نظر إلى العموم دون اعتبار للخصوص، والخاص مقدَّم على العام.
الجواب الثاني:
قال ابن دقيق العيد: "من صححه يعتمد -بعد تعديل أبي قيس- على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفةَ معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه، وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة، لم يشارك المشهورات في سندها" [2] ( http://majles.alukah.net/#_ftn2).
وقال الشيخ أحمد شاكر: "وهو حديث آخر غير حديث المسح على الخفين، وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في الوضوء، فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من روى المسح على الجوربين، وليس شيء منها بمخالف للآخر؛ إذ هي أحاديث متعددة، وروايات عن حوادث مختلفة. والمغيرة صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو خمس سنين، فمن المعقول أن يشهد من النبي -صلى الله عليه وسلم- وقائع متعددة في وضوئه ويحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئًا، ويسمع غيره شيئًا آخر، وهذا واضح بديهي" [3] ( http://majles.alukah.net/#_ftn3)، وأخذ بعض المتأخرين يناقش في شأن الحديث الشاذ وتعريفه والمراد به [4] ( http://majles.alukah.net/#_ftn4).
والجواب عن ذلك:
أولاً: أنه يُنازع في كون ما في الحديث زيادة، إنما هو مخالفة، فالرواة ذكروا الخفين، وخالفهم أبو قيس عن هزيل؛ فذكر الجوربين.
قال المباركفوري: "فإن الناس كلهم رووا عن المغيرة بلفظ: مسح على الخفين، وأبو قيس يخالفهم جميعًا؛ فيروي عن هزيل عن المغيرة بلفظ: مسح على الجوربين والنعلين، فلم يزد على ما رووا، بل خالف ما رووا، نعم لو روى بلفظ: مسح على الخفين والجوربين والنعلين؛ لصح أن يقال: إنه روى أمرًا زائدًا على ما رووه، وإذ ليس؛ فليس" [5] ( http://majles.alukah.net/#_ftn5).
وقد ردَّ هذا الشيخ أحمد شاكر، قال: "هكذا قال، وهي انتقال نظر، فليس المراد أنه روى زيادة في لفظ الحديث، بل أراد القائلون بأنها زيادة: أنه روى حكمًا آخر زائدًا على ما رواه غيره، فرووا هم المسح على الخفين، وروى هو المسح على الجوربين، ولم ينفِ رواية المسح على الخفين، فروايته على الحقيقة زيادة على روايات غيره، وهذا واضح" [6] ( http://majles.alukah.net/#_ftn6).
والمفصل في هذا -فيما يظهر-: أن المباركفوري يرى أن الحديث حديثٌ واحد، وأن من قال بالزيادة يرى أنهما حديثان مستقلان.
¥