وأبو سفيان أحدُ المعروفين بالرِّواية عن جابر، وكان يُقارَن بينَه وبينَ أبي الزُّبير فيه، وقد مشَّى له الأئمَّة روايتَه عنه وقَبِلوها، فمن ذلك ما سبق، ومنه: تصحيحُ التِّرمذيِّ لغير حديثٍ عنه عن جابر، وقول العُقيليِّ - في إسنادٍ من طريق حفص بن غِياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر -: "وهذا إسنادٌ صالح" [76] ( http://majles.alukah.net/#_ftn76)، وقول ابن عدي في أبي سفيان: "روى عن جابر أحاديث صالحة، رواها الأعمش عنه" [77] ( http://majles.alukah.net/#_ftn77)، ومن ذلك: تضافرُ إشارات ونصوص الأئمَّة في تقديم روايةِ أبي سفيان عن جابر في حديث الباب على رواية معقِل، وابن لَهِيعة عن أبي الزُّبير عن جابر.

الأمر الثالث: سماعُ الأعمش من أبي سفيان، إذ قد نقل الكرابيسيُّ عن ابن المديني والشاذكوني قولهما: "روى الأعمشُ عن أبي سفيان أكثرَ من مائة، لم يسمعْ منها إلاَّ أربعة"، قال ابن المديني: "سمعتُ يحيى يقول ذلك" [78] ( http://majles.alukah.net/#_ftn78)، وقال البزَّار: "الأعمش لم يسمعْ من أبي سفيان، وقد روى عنه نحوَ مائة حديث" [79] ( http://majles.alukah.net/#_ftn79)، وقال ابن حبَّان في أبي سفيان: "وكان الأعمش يدلِّس عنه" [80] ( http://majles.alukah.net/#_ftn80).

فأمَّا عدم السَّماع، ففيه نقل الكرابيسيُّ، وكلمة البزَّار:

أمَّا نقْل الكرابيسي، فالظاهر أنَّه في كتاب المدلِّسين له، وهذا الكتاب ذمَّه الإمام أحمد ذمًّا شديدًا، وأنكره عليه أبو ثور، وغيره من العلماء، قال ابن رجب: "وقد تسلَّط كثيرٌ ممَّن يطعن في أهل الحديث عليهم بذكْرِ شيء من هذه العِلل، وكان مقصودُه بذلك: الطَّعن في أهل الحديث جملةً والتشكيك فيه، أو الطَّعن في غير حديث أهل الحِجاز، كما فعله حسينٌ الكرابيسي في كتابه الذي سمَّاه بـ"كتاب المدلِّسين"، وقد تسلَّط بهذا الكتاب طوائفُ من أهل البِدع من المعتزلة وغيرهم في الطَّعن على أهل الحديث، كابن عبَّاد الصاحب ونحوه، وكذلك بعضُ أهل الحديث ينقل منه دسائسَ - إمَّا أنَّه يَخفَى عليه أمرها، أو لا يَخفى عليه - في الطعن في الأعمش ونحوه، كيعقوب الفسوي ونحوه" [81] ( http://majles.alukah.net/#_ftn81)، وانفرادُ مَن هذه حالُه بالنقل عن هؤلاء الأئمَّة لا يصحُّ الاعتماد عليه، ولم يُجب ابنُ رجب عن نقله؛ فالظاهر أنَّه لم يعتمدْه، ولم ينظر إليه؛ لظهورِ حال الناقل، وحال كتابه.

وأمَّا كلمة البزَّار؛ فقال ابن رجب: "كذا قال، وهو بعيدٌ، وحديث الأعمش عن أبي سفيانَ مخرَّج في الصحيح" [82] ( http://majles.alukah.net/#_ftn82)، وقال الهيثمي: "عجبتُ من قوله: لم يسمعِ الأعمش من أبي سفيان" [83] ( http://majles.alukah.net/#_ftn83)، وقال أبو زرعة ابن العراقي: "وهذا غريبٌ جدًّا؛ فإنَّ روايته عنه في الكتب الستَّة، وهو معروف بالرِّواية عنه، لَمَّا ذكر المِزيُّ رواية الأعمش عنه قال: "وهو رَاويتُه" [84] ( http://majles.alukah.net/#_ftn84).

قلت: ولا يكاد الأعمش أن يكون من أقران أبي سفيان" [85] ( http://majles.alukah.net/#_ftn85)، وأخشى أنَّ البزَّار استفاد كلمتُه من نقل الكرابيسي السابق، والله أعلم.

وأمَّا التدليس، فتدليس الأعمش عن أبي سفيان مغتفَر؛ لأمرين:

أحدهما: أنَّ ابن عدي نصَّ على أنَّ رواية الأعمش عن أبي سفيان مستقيمة، قال في أبي سفيان: "روى عن جابر أحاديثَ صالحة؛ رواها الأعمش عنه، ورواها عن الأعمشِ الثِّقاتُ، وهو لا بأسَ به، وقد روى الأعمشُ عنه أحاديثَ مستقيمة" [86] ( http://majles.alukah.net/#_ftn86)، واستقامة الحديث دليلٌ على عدم وجود التدليس القادح فيه.

الثاني: أنَّ الأعمش أكَثَر عن أبي سفيان، واختصَّ به، حتى صار يُنسب إليه: "صاحب الأعمش" [87] ( http://majles.alukah.net/#_ftn87)، وحتى قيل في الأعمش: "رَاويتُه" [88] ( http://majles.alukah.net/#_ftn88)، وقد مرَّ أنَّ رواية المدلِّس عمَّن أكثر عنه واختصَّ به محمولةٌ على الاتصال، ورواية الأعمش عن أبي سُفيان من هذا الضرب.

الأمر الرابع - مما قد تُعلُّ الرواية الموقوفة به:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015