الأمر الثاني: سماع أبي سفيان مِن جابر، إذ لم يصرِّحْ بسماعه في هذه الرِّواية، وقد قال شعبة: "لم يَسمع أبو سفيان من جابر إلاَّ أربعةَ أحاديث"، واستفاده منه ابنُ المديني، ونقل عن يزيد الدَّالانيِّ قولاً كقول شُعبةَ، وقال ابن حجر: "لم يخرجِ البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر، وأظنُّها التي عناها شيخُه عليُّ بن المديني، منها حديثانِ في الأشربة؛ قرَنَه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث: ((اهتزَّ العرْش ... ))؛ كذلك، والرابع في تفسير سورة الجُمُعة؛ قرَنَه بسالم بن أبي الجعد" [64] ( http://majles.alukah.net/#_ftn64).

وهذا لم يرضَه بعضُ الأئمة، فقد صرَّح أبو حاتم: أنَّ أبا سفيانَ قد سمع من جابر، إلاَّ أنَّ تصريحه ذاك لا يُفيد نفيَ هذا القول، وسيأتي كلامُه - إن شاء الله.

وقال البخاري: "كان يزيدُ أبو خالد الدالانيُّ يقول: "أبو سفيان لم يَسمع من جابر إلاَّ أربعةَ أحاديث"، وما يدريه؟! أولا يَرضَى أن ينجوَ رأسًا برأس، حتى يقول مثلَ هذا؟! " [65] ( http://majles.alukah.net/#_ftn65)، قال ابن رجب: "يُشير البخاري إلى أنَّ أبا خالد في نفسه ليس بقوي، فكيف يتكلَّم في غيره؟! "، قال ابن رجب: "وأثبت البخاريُّ سماعَ أبي سفيان من جابر، وقال في "تاريخه": "قال لنا مُسدَّد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: "جاورتُ جابرًا بمكَّة سِتةَ أشهر" [66] ( http://majles.alukah.net/#_ftn66)، قال: وقال عليٌّ: سمعتُ عبدالرحمن، قال: قال لي هُشَيم، عن أبي العلاء، قال: قال لي أبو سفيان: "كنتُ أحفظ، وكان سليمان اليَشْكُريُّ يكتب"؛ يعني: عن جابر [67] ( http://majles.alukah.net/#_ftn67)، وخرَّج مسلم حديثَ أبي سفيان عن جابر، وخرَّجه البخاريُّ مقرونًا" [68] ( http://majles.alukah.net/#_ftn68).

وقال مسلم: "سمع جابرًا" [69] ( http://majles.alukah.net/#_ftn69).

وأثبتَ بعضُ الأئمة أنَّ رواية أبي سفيان عن جابر صحيفةٌ لم يسمعْها - أو لم يسمع أكثرَها - قال شعبة، وابن عيينة: "حديثُ أبي سفيان عن جابر إنَّما هي صحيفة" [70] ( http://majles.alukah.net/#_ftn70)، وفي رواية عن شُعبة: "إنَّما هو كتابُ سُليمانَ اليشكري" [71] ( http://majles.alukah.net/#_ftn71)، وقال أبو حاتم: "جالس سليمانُ اليَشكري جابرًا، فسمع منه، وكتب عنه صحيفة، فتُوفِّي، وبَقيتِ الصحيفة عندَ امرأته، فروى أبو الزُّبير وأبو سفيان والشَّعْبي عن جابر - وهُم قد سمعوا من جابر - وأكثرُهُ من الصحيفة، وكذلك قتادة" [72] ( http://majles.alukah.net/#_ftn72).

ولأجل ذلك - مع كثرة رواية أبي سفيان عن جابر - ذَكَره الحاكم في المدلِّسين؛ لكنَّه جعله فيمَن كان لا يدلِّس إلاَّ عن ثقة، قال: "فمن المدلِّسين من دلَّس عن [73] ( http://majles.alukah.net/#_ftn73) الثِّقات الذين هم في الثقة مثل المحدِّث، أو فوقه، أو دونه ... ، فمنهم من التابعين: أبو سفيان طلحة بن نافع ... "، ثم أسند عن ابن مهديٍّ قوله: "كان شعبة يرى أحاديثَ أبي سفيان عن جابر صحيفة، إنَّما هو من كتاب سليمان اليشكري" [74] ( http://majles.alukah.net/#_ftn74)، فبيَّن الحاكم أنَّ رواية أبي سفيان أحاديثَ صحيفة سليمان اليشكري عن جابر مباشرة - ولم يَسمعها - جنسٌ من التدليس، لكنَّه تدليسٌ عن سليمان اليشكري، وسليمانُ ثقة، والتدليس عن الثِّقات غير قادح.

فيتحصَّل من هذا أنَّ أبا سفيان سمع جابرًا، وصرَّح بأنَّه كان يجالسه عدَّة أشهر؛ لكنْ فيما روى عنه ما لم يسمعْه، وهذا الانقطاع معلومُ الواسطة، إذ كان يروي ما كتبه سليمان اليشكري عن جابر، وسليمان ثقة من أصحاب جابر [75] ( http://majles.alukah.net/#_ftn75)، وقدِ اعتمد على صحيفته غيرُ واحد من أصحاب جابر الذين سمعوا منه، وهذا يُصحِّح رواية أبي سفيان عن جابر.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015