الجواب الثاني عن تدليس بقية: ما قاله الحافظ ابن عبدالهادي: "ورواية بقية عن بحير صحيحة؛ سواء صرَّح بالتحديث أم لا" [18] ( http://majles.alukah.net/#_ftn18)، وهذا يؤخذ - ولعلَّ ابن عبدالهادي أخذه - من أمور:
الأول: قول بقيَّة: "أشهد أني سمعته: حديث بحير عن ابن معدان" [19] ( http://majles.alukah.net/#_ftn19)، ففي هذا تصريحٌ من بقيةَ أنَّه سمع من بحير بن سعد ما حدَّث به عن خالد بن معدان، فلا حاجة إذًا لتطلُّب سماعه في كلِّ حديثٍ بعينه.
الثاني: أنَّ شعبة بن الحجاج قال لبقية: "إنِّي لأسمع منكَ أحاديث لو لم أحفظْها عنك لطرت"، وفي لفظ: قال بقيَّة: لَمَّا قرأت على شعبة كتاب بحير بن سعد، قال لي: "يا أبا يحمد، لو لم أسمعْ هذا منك لطرت"، قال بقيَّة: "واستهداني شعبةُ أحاديثَ بحير بن سعد"، وكان شعبة يقول له: "بحِّر لنا، بحِّر لنا"، يعني: حدِّثنا عن بحير بن سعد، وقال له: "تمسَّك بحديث بحير"، ورفع شعبةُ شأنَ حديث بقيَّة عن بحير [20] ( http://majles.alukah.net/#_ftn20).
وقال أبو داود: سمعتُ أحمد قال: "بلغني أنَّ شعبة قال لبقيَّة: "اكتب إليَّ أحاديث بحير"، قال أحمد: "كان يُعجبه الإسناد" - يعني: شعبة - قال أحمد: "رأى أسانيدَ منها، فأُعجب بها شعبةُ؛ لحُسن أسانيدها" [21] ( http://majles.alukah.net/#_ftn21).
هذا مع أنَّه استفاض عن شعبةَ شدةُ المذهب في التدليس، وإيقافه مشايخَه المدلِّسين ليُبيِّنوا سماعهم، ولو كان شعبةُ يرى أنَّ بقية يدلس هذه الأحاديث عن بحير، ما كان ليُعجب بها، ويحرِص عليها، ويرفع شأنَها، ويوصي بقيةَ أن يتمسَّك بها.
الثالث: أنَّ لبقية إكثارًا عن بحير واختصاصًا به، وقد تقرَّر أنَّ من قرائن قَبول رواية المدلِّس عن شيخه، ولو لم يصرِّح بسماعه: أن يكون المدلِّس مكثرًا من الرِّواية عن شيخه؛ إذ تكون روايته عن شيخه ذاك محمولةً على الاتِّصال، حتى يتبيَّن في حديثٍ معيَّن أنه دلَّسه عنه [22] ( http://majles.alukah.net/#_ftn22).
وقد قال الإمام أحمد: "بقية إذا حدَّث عن قوم ليسوا بمعروفين؛ فلا تقبلوه، وإذا حدَّث بقية عن المعروفين - مثل بحير بن سعد وغيره - قُبِل" [23] ( http://majles.alukah.net/#_ftn23).
وقال الحافظ عبدالحق بن الخراط الإشبيلي: "أحسنُ حديث بقيةَ ما كان عن بحير بن سعد" [24] ( http://majles.alukah.net/#_ftn24).
وقال ابن رجب: "إذا حدث عن الثِّقات المعروفين ولم يدلِّس، فإنَّما يكون حديثه جيِّدًا عن أهل الشام - كبحير بن سعد ومحمد بن زياد وغيرهما" [25] ( http://majles.alukah.net/#_ftn25)، فنصُّوا على أنَّ حديث بقية عن بحير جيِّدٌ مقبول [26] ( http://majles.alukah.net/#_ftn26).
العلة الثالثة مما أُعلَّ به الحديث:
الإرسال، عبَّر به البيهقي، قال: "وهو مرسل" [27] ( http://majles.alukah.net/#_ftn27)، قال ابن دقيق العيد: "يريد: لعدم ذكْر اسم الصحابي الراوي له" [28] ( http://majles.alukah.net/#_ftn28)، ووافقه على ذلك ابنُ حزم، قال: "وفي السَّند مَن لا يُدرَى من هو" [29] ( http://majles.alukah.net/#_ftn29).
قال ابن دقيق العيد: "وليس هذا - يعني: عدم ذكْر اسم الصحابي - ممَّا يجعل الحديث في حُكم المرسل المردود عندَ أهل الحديث، فإن سمَّاه مرسلاً مع أنَّ حُكمه حُكمُ الموصول، فلا يضر المستدلَّ به" [30] ( http://majles.alukah.net/#_ftn30)، وقال ابن عبدالهادي - بعد نقلِه كلامَ البيهقي -: "وليس كما قال؛ فإنَّ المرسَل ما رواه التابعيُّ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذا من رواية بعضِ أصحابه عنه، وجهالةُ الصحابي لا تضرُّ" [31] ( http://majles.alukah.net/#_ftn31)، وقال: "وتَكلَّم فيه - يعني: هذا الحديثَ - البيهقيُّ وابنُ حزم وغيرُهما بغير مستندٍ قويٍّ" [32] ( http://majles.alukah.net/#_ftn32)، وقال الذهبي: "ما أراه إلاَّ متصلاً" [33] ( http://majles.alukah.net/#_ftn33)، وقال مغلطاي: "والذي عليه المحدِّثون قاطبةً: أنَّ جهالة الصحابي غيرُ قادحة في الإسناد، ولا سيّما مع شهادة التابعي المعروف له بالصُّحبة" [34] ( http://majles.alukah.net/#_ftn34)، وقال ابن القَيِّم عن العلَّة التي ذكرها ابن حزم: "وأمَّا العلَّة الثانية، فباطلةٌ أيضًا على أصل ابن حزم، وأصل سائر أهل الحديث، فإنَّ عندهم
¥