الأولى: حال بقية، قال ابن حزم: "هذا خبرٌ لا يصح؛ لأنَّ راويَه بقيَّةُ، وليس بالقوي" [5] ( http://majles.alukah.net/#_ftn5)، وقال عبدالحق الإشبيلي: "في حديث خالد: بقيَّة بن الوليد، وقد تُكلِّم فيه، ولا يُحتج به" [6] ( http://majles.alukah.net/#_ftn6)، وقال المنذري: "في إسناده بقية، وفيه مقال" [7] ( http://majles.alukah.net/#_ftn7)، لكن الصحيح أنَّه ثقة ما لم يروِ عن المجاهيل، أو يتركْ ذِكْر التصريح بالسماع عن شيخه، إذ هو مدلِّس.
قال ابن القَيم: "هكذا علَّل أبو محمد المنذري وابن حزم هذا الحديث برواية بقيَّة له، وزاد ابن حزم تعليلاً آخر ... ، والجواب عن هاتين العِلَّتين:
أمَّا الأولى: فإن بقيَّة ثقة في نفسه، صدوق حافظ، وإنَّما نقم عليه التدليس مع كثرة روايته عن الضُّعفاء والمجهولين، وأمَّا إذا صرَّح بالسماع فهو حجَّة ... " [8] ( http://majles.alukah.net/#_ftn8).
العلَّة الثانية: تدليس بقية، قال مغلطاي: "وأعلَّه بعض الحفَّاظ من المتأخِّرين بأنَّ بقية، وإن كان حديثه في الصحيح، فعنعنتُه لا تُقبل؛ لتدليسه" [9] ( http://majles.alukah.net/#_ftn9)، وقد قال النَّسائي فيه: "إذا قال: "حدَّثنا"، و"أخبرنا"، فهو ثقة، وإذا قال: "عن فلان"، فلا يُؤخذ عنه؛ لأنَّه لا يُدرَى عمَّن أخذه" [10] ( http://majles.alukah.net/#_ftn10)، وبقية كان يروي عمَّن كان أصغرَ منه، ويأخذ الحديث عن المجاهيل والضُّعفاء والمتروكين عن شيوخهم الثِّقات، ثم يتركهم ويقول: قال فلان - الثِّقة - فجاء تلامذته من بعده، فجعلوا الأسانيد: عن بقية، عن ذاك الثِّقة.
وقد شرح هذا ابنُ حبَّان بما لا مزيد عليه، قال: "سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت أحمدَ بن الحسن الترمذيَّ يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: توهمت أنَّ بقيَّة لا يحدِّث المناكير إلاَّ عن المجاهيل، فإذا هو يحدِّث المناكير عن المشاهير، فعلمنا من أين أُتي.
قال ابن حبان: "لم يسبر أبو عبدالله - رحمه الله - شأنَ بقيَّة، وإنَّما نظر إلى أحاديثَ موضوعة رُويت عن أقوام ثقات، فأنكرها، ولعمري إنَّه موضع الإنكار، وفي دون هذا ما يسقط عدالة الإنسان في الحديث، ولقد دخلتُ حمص وأكثرُ همِّي شأن بقية، فتتبعتُ حديثَه، وكتبتُ النسخ على الوجه، وتتبعتُ ما لم أجد بعلوٍّ من رواية القدماء عنه، فرأيتُه ثقة مأمونًا، ولكنَّه كان مدلِّسًا: سمع من عبيدالله بن عمر، وشعبة، ومالك أحاديثَ يسيرة مستقيمة، ثم سمع عن أقوام كذَّابين ضعفاء متروكين عن عبيدالله بن عمر، وشعبة، ومالك، مثل: المجاشع بن عمرو، والسَّري بن عبدالحميد، وعمر بن موسى الميتمي وأشباهِهم، وأقوامٍ لا يُعرفون إلاَّ بالكُنى، فروى عن أولئك الثِّقات الذين رآهم بالتدليس ما سمع من هؤلاء الضُّعفاء [11] ( http://majles.alukah.net/#_ftn11).
وكان يقول: قال عبيدالله بن عمر عن نافع، وقال مالك عن نافع كذا، فجعلوه: بقيَّة عن عبيدالله، وبقية عن مالك، وأُسقِط الواهي بينهما، فالْتزق الموضوع ببقية، وتخلَّص الواضع من الوسط، وإنَّما امتُحن بقيةُ بتلاميذَ له كانوا يُسقِطون الضعفاءَ من حديثه ويُسوونه، فالْتزق ذلك كلُّه به" [12] ( http://majles.alukah.net/#_ftn12).
ورُدَّت علَّةُ تدليس بقية من وجهين:
الأول: أنَّ بقيَّة صرَّح بسماعه من بحير بن سعد في رواية أحمد، قال ابن دقيق العيد: "قلت: في المستدرك [13] ( http://majles.alukah.net/#_ftn13) من طريق بقية: "حدَّثنا بحير"، فعلى هذا يَسلم من تهمة التدليس من بقية في روايته عن بحير" [14] ( http://majles.alukah.net/#_ftn14)، وقال نحوَه مغلطاي [15] ( http://majles.alukah.net/#_ftn15)، وقال ابن القيم: "وقد صرَّح في هذا الحديث بسماعه له" [16] ( http://majles.alukah.net/#_ftn16)، ثم نقله من المسند.
وأجيب عنه: بأنَّ بقيَّة يدلِّس تدليس تسوية؛ فلا يكفي تصريحُه عن شيخه، وهذا مبنيٌّ على ما شهر عندَ المتأخِّرين من اتهام بقية بتدليس التسوية مطلقًا.
والصواب: أنَّ التسوية عند بقية قليلة نادرة، ولا يُحكم بها إلاَّ بثبوتها من طرق أخرى أو بنصٍّ إمام [17] ( http://majles.alukah.net/#_ftn17)، ويدلُّ على هذا ما سيأتي من حُكم الإمام أحمد بجودة هذا الإسناد، مع كون بقيَّة لم يصرِّحْ فيه إلاَّ عن شيخه.
¥