وأما اختصاصه بحماد بن زيد، فقال يعقوب بن سفيان الفسوي: سمعت سليمان بن حرب يقول: (طلبت الحديث سنة ثمان وخمسين ومئة، فاختلفت إلى شعبة، فلما مات شعبة جالست حماد بن زيد ولزمته حتى مات)، قال: (جالسته تسع عشرة سنة، جالسته سنة ستين، ومات سنة تسع وسبعين ومئة)، وكان من شدة ملازمته لحماد يعرف الرواة الذين يحضرون مجلسه، ويؤخَذ قوله في ذلك، نقل الفسوي عنه قوله: (لم أرَ أبا الربيع عند حماد بن زيد) [6] ( http://majles.alukah.net/#_ftn6).

وهذه الإمامة والثقة العالية تقضي بألا يُهمل كلام سليمان ويُترك، بل لكلامه قيمة وأهمية، خاصة أنه من ألزم الرواة لحماد بن زيد -شيخه في هذه الراوية-، وأعرفهم بحديثه، وهو قد أنكر -كما سبق النقل عنه- رواية الرفع عن حماد بن زيد، وهي حقيقةٌ بهذا الحكم، إذ إن مَنْ رواها أقل الرواة عددًا وحفظًا وثقةً، واحتمال الاختصار والرواية بمعنى الصيغة قائم.

وكون سليمان بن حرب لازم حماد بن زيد حتى مات -كما ذكر هو- مفيدٌ أنه يعرف ما كان عليه حديث حماد بن زيد في أوله وآخره، وأن نقلَهُ عنه أقوى من نقل غيره.

والذي يظهر أن حمادًا كان يشك في الرواية -كما نقل عنه بعض الحفاظ- بين الرفع والوقف، ويرويه بصيغة تحتمل الرفع والوقف؛ لشكِّه فيه، ثم انتهى بروايته موقوفًا على أبي أمامة، ونقل هذا عنه سليمان بن حرب، وخطَّأ من روى غير ذلك عنه.

وقد رجح الوقف -سوى الحافظ سليمان بن حرب-:

• موسى بن هارون الحمال، قال في سياق تضعيف الحديث: (والحديث في رفعه شك) [7] ( http://majles.alukah.net/#_ftn7).

• والدارقطني، قال: ( ... أسنده هؤلاء عن حماد، وخالفهم سليمان بن حرب، وهو ثقة حافظ ... ) [8] ( http://majles.alukah.net/#_ftn8)، وقال: (وقال سليمان بن حرب في هذا الحديث عن حماد بن زيد: إن قوله: «والأذنان من الرأس» هو من قول أبي أمامة غير مرفوع. وهو الصواب) [9] ( http://majles.alukah.net/#_ftn9).

• والبيهقي، قال: (والحديث في رفعه شك) [10] ( http://majles.alukah.net/#_ftn10).

• وابن العربي، قال: (والصحيح أن ذلك من قول أبي أمامة صدي بن عجلان، لا من نفس الحديث، والحديث نصه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح برأسه، وقال: "الأذنان من الرأس"، يعني أن هذا قول أبي أمامة لا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) [11] ( http://majles.alukah.net/#_ftn11).

• وابن عبدالهادي، قال: (والصواب أنه موقوف على أبي أمامة، كما قال الدارقطني) [12] ( http://majles.alukah.net/#_ftn12).

وجوَّز ابن الجوزي صحة الوجهين، قال: (الراوي قد يرفع الشيء وقد يفتي به) [13] ( http://majles.alukah.net/#_ftn13)، وجوَّز ذلك ابن التركماني، قال: (وإذا رفع أحد حديثًا، ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين= يرجح الرافع، لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الإنسان حديثًا فيوقفه في وقت، ويرفعه في وقت آخر، وهذا أولى من تغليط الرافع) [14] ( http://majles.alukah.net/#_ftn14)، ونحوه للزيلعي [15] ( http://majles.alukah.net/#_ftn15)، وكلامهم هذا جارٍ على مناهج الأصوليين والفقهاء في التجويزات العقلية، وذلك ما لم يلتفت إليها أئمة الحديث النقاد الحفاظ ومن سلك مسلكهم، ومنهم -في هذا المثال خاصة-: سليمان بن حرب، وموسى بن هارون الحمال، والدارقطني، والبيهقي، وابن العربي، وابن عبدالهادي.

فتبيَّن أن لفظة «الأذنان من الرأس» موقوفة على أبي أمامة، وأن باقي الحديث مرفوع -وهذا ظاهر، إذ هو وصفٌ لوضوء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان هذا نوعًا من الإدراج في الحديث، ولذا قال ابن حجر: (وقد ذكرت طرق حديث شهر هذا في كتاب المدرج بدلائله وكيفية الإدراج فيه -بحمد الله تعالى-) [16] ( http://majles.alukah.net/#_ftn16).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015