معين عدل عن قوله الأول إلى قوله: (ليس بذاك القوي)، وهذه الرواية مشعرة بأن الرأي المتأخر لابن معين في كثير بن زيد هو تضعيفه، ويؤيدها رواية ابن محرز، قال -كما في معرفة الرجال (1/ 70) -: سمعت يحيى -وقيل له: كثير بن زيد مدني؟ - قال: (نعم، ضعيف)، وقد روى عبدالله بن شعيب الصابوني عن ابن معين قوله في كثير: (ليس بذاك القوي)، وقال المفضل بن غسان الغلابي ومعاوية بن صالح عن ابن معين: (صالح)، والأصل في إطلاق (صالح) عند الأئمة: إطلاقه على من يستشهد بهم -كما قرره الشيخ السليماني في شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل (ص146) -، ويبين ذلك إطلاقات كلمة (صالح) عند ابن معين، ومن أظهر ذلك: قول ابن محرز -في معرفة الرجال (1/ 70) -: سألت يحيى عن مندل بن علي، فقال: (ليس بذاك)، وضعّف في أمره، ثم قال: (هو صالح)، وهذا التفسير لإطلاق كلمة (صالح) ينفي ما قد يظهر من تعارض بين تضعيفِ ابن معين كثيرَ بن زيد، وقولِهِ فيه: (صالح).
أقوال من ضعَّف كثير بن زيد:
نقل ابن جرير الطبري تضعيفه عن جماعة من أئمة الحديث، قال -كما في تهذيب التهذيب (8/ 371) -: (وكثير بن زيد عندهم ممن لا يحتج بنقله)، وضعفه يحيى بن معين -كما سبق-، وقال ابن المديني -كما في سؤالات ابن أبي شيبة (ص95) -: (هو صالح، وليس بالقوي)، وهذا يؤيد تفسير إطلاق (صالح) بالضعف غير الشديد، الذي يعتبر برواية من وقع عليه، وقال أبو حاتم -كما في الجرح (7/ 151) -: (صالح، ليس بالقوي، يكتب حديثه)، ويُلاحظ الاتفاق أو شبهه بين كلمتي الحافظين الإمامين ابن المديني وأبي حاتم، وقال يعقوب بن شيبة -كما في تاريخ دمشق (50/ 25) -: (كثير بن زيد ليس بالساقط، وإلى الضعف ما هو)، وقال النسائي -في الضعفاء (505) -: (ضعيف)، وقال ابن حبان -في المجروحين (2/ 222) -: (كان كثير الخطأ على قلة روايته، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد)، وذكر ابن عبد البر -في التمهيد (21/ 14) - حديثًا فيه كثير، ثم قال: (إسناده ليس بالقوي)، وأغلب الظن أن سبب ذلك عنده: كثير، وقال الحافظ عبدالحق الإشبيلي -في الأحكام الوسطى (3/ 275) -: (وهو ضعيف عندهم، وإن كان قد روى عنه جلة)، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء (3/ 22)، وضعفه المنذري -كما في عون المعبود (14/ 54) -، وذكره الذهبي في المغني في الضعفاء، وفي ديوان الضعفاء، وقد كان الحافظ البزار قال -كما في البدر المنير (2/ 78) -: (روى عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه)، وهذه الكلمة يقرنها البزار كثيرًا بقوله في بعض الرواة: (لين الحديث)، و (ليس بالقوي)، و (لم يكن بالحافظ)، ونحوها، وقالها في الثقة ومن لم يكن به بأس عنده، ويشبه أحيانًا أن يكون مقصوده أن الرواة كتبوا حديث الرجل، ولم يتركوه لشدة ضعف ونحوه، بل احتملوه فرووا عنه، وانظر: شفاء العليل للسليماني (ص147)، والحاصل أن هذه ليست كلمة تعديل من البزار، بل هي إلى الجرح أقرب، والله أعلم.
وهذا الاجتماع من أكثر أئمة الحديث وأكبرهم وصيارفته ونقاده على تضعيف كثير بن زيد يبيّن بجلاء أن كثيرًا ضعيف، وأنه إنما وثقه بعض الأئمة أو قوى أمره لأنه لم يكن شديد الضعف، بل هو محتمل، يعتبر به ويستشهد، إلا أنه لا يحتج به ولا يقبل عند تفرده. وقد بيَّنت كلمةُ الحافظ يعقوب بن شيبة كلماتِ الأئمة ولخّصَّتْها، حيث قال: (كثير بن زيد ليس بالساقط، وإلى الضعف ما هو). والله أعلم.
[6] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref6) انظر: حاشية الفوائد المجموعة (ص35، 459).
[7] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref7) الضعيفة (3/ 112).
[8] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref8) بيان الوهم والإيهام (4/ 627).
[9] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref9) ذكر ذلك في كلام له في (ملتقى أهل الحديث) على الشبكة الإلكترونية.
[10] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref10) شرح مغلطاي على ابن ماجه (1/ 338).
[11] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref11) الطهور (ص66).
[12] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref12) ترتيب علل الترمذي الكبير (ص33).
[13] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref13) الكامل (3/ 173، 174).
[14] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref14) الكامل (3/ 173).
[15] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref15) البدر المنير (2/ 78).
[16] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref16) تنقيح التحقيق، للذهبي (1/ 44).
[17] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref17) البدر المنير (2/ 70).
[18] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref18) شرح ابن ماجه (1/ 342 - 344).
[19] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref19) التلخيص الحبير (1/ 72).
[20] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref20) العلل (14/ 295).
[21] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref21) تنقيح التحقيق (1/ 45).
[22] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref22) أطراف الغرائب والأفراد (2/ 364).
[23] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref23) تنقيح التحقيق (1/ 45).
[24] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref24) لسان الميزان (6/ 14).
[25] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref25) الأحكام الوسطى (1/ 163).
[26] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref26) بيان الوهم والإيهام (3/ 227).
[27] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref27) انظر: الجرح والتعديل (7/ 199)، المجروحين (2/ 260)، تعجيل المنفعة (ص357).
[28] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref28) بيان الوهم والإيهام (5/ 661).
[29] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref29) السابق (3/ 227).
[30] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref30) لسان الميزان (6/ 14).
[31] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref31) ميزان الاعتدال (4/ 88)، ولعل صواب قوله: (أبان الواسطي): محمد بن أبان -كما في التعليق المغني بحاشية الدارقطني (1/ 74) -.
¥