وبالعموم، فهذا حديث من تفردات وإغراب أبي بلال الأشعري، وهو ضعيف، وتفردات الضعفاء منكرة، ومجاهد إمام حافظ كبير، فلا يُقبل الحديث عنه وقد جاء من هذه الطريق الضعيفة المنظور فيها، التي تفرد بها ضعيف، وفيها مَنْ يحتمل أنه ضعيف. ولذا أنكر هذا الحديث الحافظ الذهبي -كما سبق-.
فقول المؤلف (ص20) -بعد هذا الحديث-: (فمثله يصلح للاعتبار) فيه نظر، فهذه حال أبي بلال، وهذه حال السند الذي تفرد به -على ضعفه-، وهو مما يحرص عليه الثقات لو صح؛ فانقطاع الروايات عن مجاهد إلا من هذه الطريق مع ما له من أصحاب ثقات= دليل على نكارتها وضعفها.
هذه الروايات التي ذكرها المؤلف عن أبي هريرة، وتبيَّن أنها تدور بين المنكرة والمنكرة جدًّا، وتعضيدها ببعضها تساهلٌ لا يجري على طريقة أئمة الحديث النقاد.
يتلوه -إن شاء الله- مناقشة المؤلف في حديث سعيد بن زيد -رضي الله عنه-، وفي الأحاديث الأخرى.
ــــــــــــــــــــ
[1] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref1) طُبع في مكتبة التوعية الإسلامية بالقاهرة، عام 1408.
[2] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref2) بعد كتابته وقفت على ما كتبه شيخنا د. أحمد بن محمد الخليل في نقد هذا الكتاب في كتابه "مستدرك التعليل على إرواء الغليل" (ص57 - 70)، وهو نقد قيِّم، وفيه شيء يسير بحاجة إلى تحرير، وأرجو أنه محرر في نقدي هذا.
[3] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref3) الجرح والتعديل (3/ 61).
[4] ( http://majles.alukah.net/#_ftnref4) (2/222).
[5] (http://majles.alukah.net/#_ftnref5) كان هذا تلخيصًا لحال كثير بن زيد في أصل التعقبات على (كشف المخبوء)، ثم جرى حوله نقاش في بعض المنتديات العلمية على الشبكة الإلكترونية (ملتقى أهل الحديث)، فكتبتُ تفصيلاً لحاله وأقوال الأئمة فيه:
أقوال من قوّاه أو وثقه:
قال عنه محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي: (ثقة)، وقال أحمد بن حنبل: (ما أرى به بأسًا)، وقال ابن عدي: (ولكثير بن زيد عن غير الوليد بن رباح أحاديث لم أذكرها، ولم أرَ به بأسًا، وأرجو أنه لا بأس به)، وقال أبو زرعة -كما في الجرح (7/ 151) -: (صدوق، فيه لين)، وهذه الكلمة وإن كان ظاهرها اعتبار كثير صدوقًا، إلا أن أبا زرعة لم يغفل جانب الضعف فيه، فغمزه باللين. وقال الحاكم -في المستدرك (1/ 47) -: (فأما الشيخان؛ فإنهما لم يخرجا عن كثير بن زيد، وهو شيخٌ من أهل المدينة، من أسلم، كنيته أبو محمد، لا أعرفه بجرحٍ في الرواية، وإنما تركاه لقلة حديثه)، وقد تعقبه الشيخ الألباني بأنه وُثق وضُعف ومُشِّي -كما تراه في السلسلة الصحيحة (6/ 283) -، وقال الحاكم أيضًا -في المستدرك (1/ 217) -: (كثير بن زيد وأبو عبد الله القراظ مدنيان لا نعرفهما إلا بالصدق). وقال ابن القطان -في بيان الوهم والإيهام (5/ 211) - في حديثٍ: (وينبغي أن يُقال فيه: حسن، لِمَا بكثير بن زيد من الضعف، وإن كان صدوقًا)، وإن كان قال في موضع آخر -في البيان (4/ 644) -: (ضعيف).
وقال ابن عبد الهادي -في تنقيح التحقيق (4/ 595) -: (صدوق، وقد تكلم فيه بعض الأئمة)، وقال ابن حجر -في تغليق التعليق (3/ 282) -: (وكثير بن زيد أسلمي، لينه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أحمد: ما أرى به بأسًا، فحديثه حسن في الجملة ... )، وهذان الإمامان وإن خلصا إلى أنه صدوق، فقد بيّنا أنه مغموز مُضعَّف.
حال كثير بن زيد عند ابن معين:
روى ابن أبي مريم عن ابن معين أنه قال في كثير: (ثقة)، وروى الدورقي عنه قوله: (ليس به بأس)، والروايتان في الكامل لابن عدي (6/ 67)، ولعل فيهما نظرًا، أو قَصَدَ ابن معين بهما غير ظاهرهما، كأن يكون وقوعهما في مقارنة بين اثنين -وربما كان الآخرُ: كثيرَ بن عبد الله بن عمرو بن عوف، فكثيرًا ما يُقارن بينهما، وابن زيد أقوى من ابن عبد الله-، أو نحو ذلك؛ حيث إن أكثر الروايات عن ابن معين على خلافهما، وفي الرواة عنه من هو أعرف به وأجلّ من غيره، فرواية ابن أبي خيثمة عن ابن معين -في تاريخه (2/ 336 - السفر الثالث) -، قال: وسئل يحيى بن معين عن كثير بن زيد، روى عنه عبد المجيد الحنفي -كذا-؟ قال: (ليس بذاك القوي)، وكان قال أول: (ليس بشيء)، ونحوه في رواية الحنبلي عن ابن أبي خيثمة -عند ابن حبان في المجروحين (2/ 222) -، قال: وكان قال: (لا شيء)، ثم ضرب عليه. فهذا كالصريح في أن ابن
¥