إلا أن تعليقه السابق صحيحٌ بالنظر إلى كلام الإمام البخاري في ربيح، فقد قال فيه: (منكر الحديث) [12] ( http://majles.alukah.net/#_ftn12)، ولم يُجِبِ المؤلف عن قول البخاري هذا إلا بأن قال: (ويغلب على ظني -والله أعلم- أن حكم البخاري -رحمه الله- له اعتبار آخر، بخلاف حال ربيح في نفسه، فقد يكون روى شيئًا رآه البخاري منكرًا، فألصق التبعة بربيح، أو نحو ذلك)!

وهذا غريب من المؤلف -وفقه الله-، فكلمة هذا الإمام هي أصرح ما قيل في الرجل، والجواب عن جوابه جوابان:

أحدهما: بعدم التسليم بما ذكر، فإن عموم إطلاق البخاريِّ النكارةَ على حديث ربيح لا ينبغي أن يُخصَّ إلا بدليل ظاهر، وليس ثَمَّ شيءٌ من ذلك،

والآخر: على التسليم به، فدلالة الكلمة على الضعف باقية -خاصة في هذا الحديث-، من وجهين:

الأول: أن ألصَقَ روايةٍ من روايات ربيحٍ بحكم البخاري على ربيح: هي هذا الحديث، فقد عقّب الترمذيُّ هذا الحديثَ بنقل كلام البخاري، فأولى الأحاديث بتحميل ربيحٍ نكارتها: هذا الحديث.

الثاني: أن ربيحًا قليل الحديث -كما سبق في تفسير كلمة أبي زرعة، وفي نصِّ كلام أبي عبيد، وكما قال ابن عدي بعد أن أسند لربيح نحو ثمانية أحاديث في ترجمته في الكامل: (ولربيح غيرُ ما ذكرت شيءٌ يسير من الحديث، وعامةُ حديثه ما ذكرتُه) [13] ( http://majles.alukah.net/#_ftn13)-، ولو كان روى شيئًا ألصَقَ البخاري به التبعةَ في نكارته فَوَصَفَهُ بأنه (منكر الحديث)، فإن ربيحًا إذن ضعيفٌ أو ضعيفٌ جدًّا، إذ هو -على قلة حديثه- يروي ما يستحق أن يصفه البخاري بسببه بأنه (منكر الحديث)، والبخاري وصفه بنكارة الحديث، ولم يقتصر على الضعف أو اللين، ومن روى المنكرات وحديثُهُ قليل؛ فأولى به أن يكون عامة حديثه منكرًا، خاصة إذا تفرّد أو خالف.

وقد دلَّ صنيعُ ابن عدي لما أدخل عامة أحاديث ربيح في ترجمته في الكامل على أنها من مناكيره، إذ من عادة ابن عدي أن يذكر في ترجمة الراوي ما أُنكر عليه، ولحقه بروايته وصف الضعف، واستحق به أن يُدخل في الضعفاء، وقد نصَّ على ذلك ابن عدي نفسُه، وغير واحد من أئمة الاستقراء. وهذا الصنيع من ابن عدي موافقٌ لحكم البخاري في نكارة حديث ربيح.

وقد كرر ابن عدي هذا الحديث مرتين في كتابه الكامل: في ترجمة كثير بن زيد، وترجمة ربيح، وسبق منهجه في إيراد الأحاديث في كتابه، بل وأعلّه بتفرد كثير به، قال: (ولا أعلم يروي هذا الحديث عن ربيح غير كثير بن زيد) [14] ( http://majles.alukah.net/#_ftn14).

وقد تفرد بالحديث كثير وربيح -على ضعفهما-، قال البزار: (لا نعلمه يُروى عن أبي سعيد إلا بالإسناد المذكور) [15] ( http://majles.alukah.net/#_ftn15).

فهذا الحديث منكر، تفرد به ضعيفان، أحدهما منكر الحديث. وإنما اعتبره الإمام أحمد بن حنبل أحسن أحاديث الباب؛ لخفاء حال ربيح عليه، إذ لم يعرفه، وقد عرفه البخاري فأنكر حديثه، ووافقه ابن عدي.

تنبيه: ظهر ما في قول الذهبي: (وربيح صويلح ما ضُعِّف) [16] ( http://majles.alukah.net/#_ftn16) من نظر.

وقد ذكر الذهبي هناك أنه تابع كثيرًا عن ربيح أربعة، ولم أجد ذلك، والظاهر أنه أراد أنه توبع زيد بن الحباب عن كثير، ردًّا على حكم ابن عدي بتفرد زيد عنه. والله أعلم.

4 - ذكر المؤلف (ص16) حديث يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، ونقل عن الشوكاني أنه ليس في إسناده ما يسقطه عن درجة الاعتبار. وفي هذا نظر؛ ففي الحديث علل، وقد شرحها ابن الملقن بكلام جيد، قال: وحاصل ما يُعلل به هذا الحديث الضعف والانقطاع:

أمّا الضعف:

? فيعقوب بن سلمة لا أعرف حاله، وقال الذهبي في الميزان: "شيخ ليس بعمدة".

? وأمّا أبوه سلمة؛ فلم يعرف حاله المزي ولا الذهبي، وإنما قال في الميزان: "لم يروِ عنه غير ولده"، وقد ذكره أبو حاتم ابن حبان في ثقاته، وقال: "ربما أخطأ".

وأمّا الانقطاع:

فقال الترمذي -في علله-: سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: "محمد بن موسى المخزومي لا بأس به، مقارب الحديث، ويعقوب بن سلمة مدنيٌّ، لا يُعرف له سماع من أبيه، ولا يعرف لأبيه سماع من أبي هريرة") ا. هـ كلام ابن الملقن [17] ( http://majles.alukah.net/#_ftn17).

وأعلّه بهذه العلل أيضًا: العلامة مغلطاي [18] ( http://majles.alukah.net/#_ftn18).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015