3 - أن الحديث ليس في كتاب غندر عن شعبة، وغندر (محمد بن جعفر) هو أوثق الرواة عن شعبة، وكتابه عنه حَكَم بين الناس، وقد كانوا يستفيدون من كتابه في حياة شعبة، فلما لم يكن الحديث في كتابه عن شعبة؛ دل على أن في رواية شعبة له شيئًا، فربما لم يضبطه شعبة، فلم يحدث به غندرًا، أو أن غندرًا رأى الاختلاف فيه فلم يدخله في الكتاب، أو غير ذلك.
وكأن الإمام أحمد يعل رواية شعبة بهذا، إلا أن رواية الناس له عن شعبة ثابتة، واختلافهم عنه ثابت، فلا بد من النظر في حال الحديث من رواية شعبة ومن رواية غيره.
4 - أن سليمان التيمي رواه عن أبي حاجب، فلم يذكر اسم الحكم بن عمرو فيه، بل قال: عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا اختلاف آخر في الحديث يدل على الاضطراب الحاصل فيه.
إلا أن ورود بعض الروايات عن سليمان التيمي -ومنها رواية أحمد عن غندر عنه- وفيها: عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من بني غفار= يفيد أن الصحابي في كلا الروايتين غفاري، وأن عاصمًا الأحول حفظ عن أبي حاجب أنه الحكم بن عمرو، ولم يحفظه سليمان التيمي، وعاصم الأحول من الحفاظ للحديث -كما وصفه الإمام أحمد-، بل قد فُضِّل في الحفظ على سليمان التيمي نفسه، فذِكرُهُ اسمَ الراوي في مثل هذا مقبولٌ صحيح. وهذا ما اعتمده المزي، قال: (أبو حاجب، عن رجل من بني غفار؛ في النهي أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. هو الحكم بن عمرو الغفاري) [6] ( http://alukah.net/articles/1/8112.aspx#_ftn6)، ويظهر أنه فهم الدارقطني، فإنه ساق خلافًا عن سليمان التيمي في هذا الحديث، حيث رواه بعضهم عنه عن أبي حاجب عن أبي هريرة، ثم قال الدارقطني: (وذلك وهم، وإنما رواه أبو حاجب عن الحكم بن عمرو الغفاري) [7] ( http://alukah.net/articles/1/8112.aspx#_ftn7)، فذِكْرُ الدارقطني اسمَ الحكم بن عمرو الغفاري في الخلاف على سليمان التيمي يشير إلى أن مؤدى رواية سليمان التيمي: أن تكون عن الحكم بن عمرو، والله أعلم.
ولم يذكر الإمام أحمد في كلامه الرواية الموقوفة، وقد قال الدارقطني -بعد أن أخرج روايتي عاصم الأحول وسليمان التيمي المرفوعتين-: (أبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم، واختلف عنه: فرواه عمران بن حدير وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفًا من قول الحكم غير مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-) [8] ( http://alukah.net/articles/1/8112.aspx#_ftn8). وقال البيهقي -بعد أن نقل إعلال البخاري لحديث ابن سرجس الآتي بالوقف-: (حديث الحكم قد روي أيضًا غير مرفوع) [9] ( http://alukah.net/articles/1/8112.aspx#_ftn9)، وكأنه يريد: أن حديث الحكم بن عمرو جاء موقوفًا أيضًا، فليُعَلَّ بذلك. وقد كان البخاري أسند في تاريخه الرواية المرفوعة بوجهيها -رواية عاصم الأحول وسليمان التيمي-، ثم عقبهما مباشرة بهذه الرواية الموقوفة، فكأنه يشير إلى إعلالهما بها.
والرواية الموقوفة رواها عمران بن حدير وغزوان بن حجير، ولم أعرف غزوان هذا، ولا عرفت إسناد روايته.
وهذا وجه جديد عن أبي حاجب في هذا الحديث.
وأبو حاجب هذا قال فيه ابن معين والنسائي: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (شيخ)، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: (ربما أخطأ)، ومن هذه حاله من عدم الإتقان، والوقوع في الخطأ، ثم التردد في هذا الحديث بين وجهين في الإسناد، وأوجه في المتن= لا يصح إطلاق تصحيح حديثه لثقته، بل الأظهر أن يُقال: إن اضطرب في حديثه هذا إسنادًا ومتنًا، فلا يصح حديثه.
ورواية الوقف هي الأقرب من بين رواياته المختلفة، وراويها عنه (عمران بن حدير) جاءت فيه عبارات توثيق شديد من الأئمة، فوُصف بأنه أصدق الناس، وقال ابن المديني: (ثقة، من أوثق شيخٍ بالبصرة)، وقوة جانب روايته -وإن كان قابله فيها حافظان عن أبي حاجب- لأمور:
1 - أن أبا حاجب قد ذكر في الرواية الموقوفة قصة، فذكر أنه انتهى إلى الحكم، وأن الناس اجتمعوا عليه، وأنه سئل عن فضل طهور المرأة، فأجابهم، وكل هذا قرينة على أنه أضبط لهذا الوجه من غيره. وذكر القصة قرينة معروفة عند الأئمة من قرائن ترجيح الروايات.
2 - أنه لم يُختلَف عليه في متن الحديث، ولم يتردد فيه أو يشك.
3 - إشارة البخاري والبيهقي إلى أنها أقوى من المرفوع.
¥