والحق أن الروايتين متقاربتان، وأن رواية عفان -وهو من المقدَّمين في حماد- جاءت على وجهين صحيحين بالشك وبدونه، والظاهر أن ذلك من حماد بن سلمة نفسه، فإنه تغير حفظه لما كبر، وتغير الحفظ مدعاة للوهم والشك، ولعل هذا من ذلك.

وهذا الشك في هذه الرواية مطروحٌ بمتابعة محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر لعاصم بن المنذر على روايته عن ابن ابن عمر، حيث إنهما روياه بدون شك، مما يبين أن ذكر الثلاث قلال مُتوهَّم في هذه الرواية.

النظر في المدار:

وهو حماد بن سلمة، وهو ثقة حافظ مشهور، وشيخه عاصم بن المنذر بن الزبير ثقة أيضًا، قال فيه أبو زرعة: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صالح الحديث)، وقال البزار: (ليس به بأس)، وذكر أنه لم يحدث إلا بهذا الحديث، وقد سبق أن ابن معين جوَّد هذا الإسناد، وقد قال فيه ابن عبدالبر: (ليس بحجة)، ونقل عن إسماعيل بن إسحاق قوله فيه وفي محمد بن جعفر بن الزبير: (هذان شيخان لا يحتملان التفرد بمثل هذا الحكم الجليل، ولا يكونان حجة فيه) [21] ( http://alukah.net/articles/1/7380.aspx#_ftn21)، وفي كلامهما -رحمهما الله- نظر، فهؤلاء الأئمة يوثقونه ويجودون حديثه، وقولهم أولى.

تعيينُ ولدِ ابنِ عمر الراوي للحديث عن أبيه:

• لم يختلف على عاصم بن المنذر أنه عيّنه لما روى عنه بعبيدالله بن عبدالله بن عمر، وقصر أبو داود الطيالسي؛ فأبهمه.

• ورواه محمد بن جعفر بن الزبير عن ابن ابن عمر، واختُلف عنه.

• فرواه عنه الوليد بن كثير، واختُلف عنه.

• فرواه أبو أسامة عنه، وجعله: عبدالله بن عبدالله بن عمر، إلا في رواية محمد بن عبدالله المخرمي وحوثرة بن محمد، فقد جعلاه عنه: عبيدالله.

• ورواه عيسى بن يونس وعباد بن صهيب عنه، فجعلاه: عبيدالله بن عبدالله بن عمر،

• ولم يُختلف على محمد بن إسحاق في روايته عن محمد بن جعفر في تعيينه بعبيدالله بن عبدالله بن عمر،

• ورواه أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن ابن عمر، وجعله: عبدالله،

وقد ساق ابن عبدالبر طرفًا من هذه الطرق، ثم قال: (ومثل هذا الاضطراب في الإسناد يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث إلى أن القلتين غير معروفتين، ومحالٌ أن يتعبدالله عباده بما لا يعرفونه) [22] ( http://alukah.net/articles/1/7380.aspx#_ftn22)، وفي مقابل ذلك، رجح الحاكم أن الحديث صحيح من طريق عبيدالله بن عبدالله، وأخيه عبدالله جميعًا، قال -بعد أن ذكر طرفًا من الخلاف-: (وهو مما لا يوهنه، فإن الحديث قد حدث عبيدالله وعبدالله جميعًا) [23] ( http://alukah.net/articles/1/7380.aspx#_ftn23).

ولعل في جميع ذلك نظرًا، حيث إن الحديث راجح عن أحدهما، مرجوح عن الآخر، وفيما يلي بيان ذلك:

فأما رواية محمد بن جعفر بن الزبير؛ فقد قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، فقلت: إنه يقول: عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورواه الوليد بن كثير، فقال: عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبدالله بن عبدالله بن عمر عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء». فقال أبو زرعة: (ابن إسحاق ليس يمكن أن يُقضى له) [24] ( http://alukah.net/articles/1/7380.aspx#_ftn24).

فرجح أبو زرعة رواية الوليد، وذلك -فيما يظهر من عبارته- أن ابن إسحاق ليس بالثبت في أحاديث الأحكام، وإنما قوَّته وثبته في المغازي والسير.

وقد يَرِدُ على هذا ثلاثة أمور:

الأول: أنه لم يُتفق عن الوليد بن كثير في ذكر عبدالله بن عبدالله بن عمر، فأبو أسامة مخالف في ذلك.

الثاني: أن الخلاف في تسمية الرواة له مدخل في السير والتراجم، وقد يهتم المختص في المغازي والسير باسم الراوي في الإسناد، فيضبطه ويتقنه.

الثالث: أن النظر في طرق هذا الحديث كلها يوضح أن تعيين ابن ابن عمر بعبدالله لم يأتِ إلا من طريق أبي أسامة، وسائر الروايات تذكر عبيدالله.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015