قال الحافظ ابن الصلاح: (والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره هو القول الذي عليه أئمة العلم كالبخاري وابن المديني وغيرهما).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله).

وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: (وهذا الذي رده مسلم صوبه المحققون، وهو المختار الصحيح وعليه أئمة المحدثين كعلي بن المديني والبخاري وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين).

والعلماء جميعا قد بينوا أن المبهم الذي تناوله الإمام مسلم بالنقد هو البخاري رحمه الله وعلي بن المديني وتلقوا ذلك بالقبول.

وقد أخطأ وشذ من ادعى أن المبهم المراد به الحارث المحاسبي، والذي جعل هذا الشاذ يقول بذلك؛ شدة العبارات التي استعملها مسلم، من أعظمها: (جاهل خامل الذكر لا وزن له، ولا اعتبار في العلم)!!

وقد أجاب عن هذا الإشكال العلامة عبد الرحمن المعلمي (ذهبي عصره) فقال:

(وأهل العلم إذا بلغهم خطأ العالم أو الصالح وخافوا أن يغتر الناس بجلالته؛ ربما وضعوا من فضله، وغبّروا في وجه شهرته، مع محبتهم له ومعرفتهم بمنزلته، لكن يظهرون تحقيره لئلا يفتتن به الناس، ومن ذلك ما ترى في مقدمة "صحيح مسلم" من الحط الشديد على البخاري في صدد الرد عليه في اشتراط ثبوت لقاء الراوي لمن فوقه، حتى قد يخيل إلى القارئ ما يخيل إليه، مع منزلة البخاري في صدر مسلم رفيعة، ومحبته وإجلاله أمر معلوم في التاريخ وأسماء الرجال).

قلت: وهذا الذي جعل الإمام مسلم يحكي الإجماع على رأيه. فتأمل

وقال المعلمي أيضا: (فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم إتباعه فيه؛ إما لأن حالهم غير حاله، وإما لأنه يراه أخطأ، أظهر كلمات يظهر منها الغض من ذلك الفاضل لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على إتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه).

ولهذا لا يظن طالب علم أن مسلما يبالغ ويهول في الرد على من ليس من أهل الشأن كالحارث المحاسبي!!

وأما الإجماعات التي حكاها مسلم لأسانيد معنعنة لرواة متعاصرين لا يعلم تحقق سماعهم وليس في شيء من طرقها التصريح بالتحديث محكوم بصحتها؛ فقد انتقدها عليه العلماء، وأثبتوا انتقاض دعواه لوقوع التصريح في بعضها بالسناع حتى في صحيحه، وهذا لا شك أنه يجعل النفس لا تطمئن إلى تحرير المذهب الذي انتحله مسلم، ولا الإجماعات التي ادعاها.

وهذا الكلام هو الذي قلته لك سابقا، أن رأي الإمام مسلم هو الذي يحتاج إلى دراسة لا غيره.

وسأضرب لك أمثلة لهذا الإنتقاض:

1) ذكر مسلم أن أبا عثمان النهدي أسند عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا، ولم يسمع في رواية بعينها أنه عاين أبيا أو سمع منه شيئا.

وقد رد الحافظ ابن حجر فقال: (قد ذكر علي بن المديني في كتاب "العلل" أن أبا عثمان النهدي لقي عمر وابن مسعود وغيرهما، وروى عن أبي بن كعب، وقال في بعض حديثه: حدثني أبي بن كعب).

2) قال مسلم: أسند النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري ثلاثة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد، لا نعلمهم وهنو منها شيئا قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض.

وهو منتقض بما حكاه مسلم نفسه في صحيحه من سماع النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وذلك في كتاب الفضائل باب إثبات الحوض رقم 2291.

وقد وقع في صحيح مسلم ما انتقده عليه العلماء من اكتفاءه بإمكان اللقاء في رواية من تحقق عدم سماعه، ومن ذلك ما تتبعه الدارقطني بقوله:

(وأخرج مسلم حديث معاوية بن سلام عن زيد عن أبي سلام قال: قال حذيفة: "كنا بشر فجاءنا الله بخير"، وهذا عندي مرسل، أبو سلام لم يسمع من حذيفة ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق، لأن حذيفة توفي بعد قتل عثمان رضي الله عنه بليال، وقد قال فيه حذيفة، فهذا يدل على إرساله).

ومن أقوى الأدلة على اشتراط السماع في تصحيح الرواية هو الإستقراء لكلام المتقدمين في التصحيح بثبوت السماع، والتضعيف بانتفاء السماع، ولا يكاد يوجد في كلامهم إمكان اللقاء.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015