(ولهذا المعنى تجد في كلام شعبة ويحيى وأحمد وعلي ومن بعدهم، التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان من فلان، أو لم يصح له سماع منه، ولم يقل أحد منهم قط: لم يعاصره، وإذا قال بعضهم: لم يدركه، فمرادهم الإستدلال على عدم السماع منه بعدم الإدراك).
ويبقى مسألة مهمة قد جرنا الكلام إلى التطرق لها وهي:
أنه يرى بعض أهل العلم أن عمل البخاري من اشتراط تحقق السماع بين الراوي وشيخه أعمله في صحيحه فقط دون سائر مصنفاته، فقد قال ابن ناصر الدين الدمشقي: (والبخاري لم يشترط هذا الشرط إلا في هذا الكتاب صيانة له).
لكن يرى آخرون خلاف ما قرره ابن ناصر الدمشقي، إذ قال الحافظ ابن حجر: (والبخاري لا يحمله على الإتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في التاريخ وجرى عليه في الصحيح، وهو مما يرجح به كتابه).
وقال أيضا: (هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك).
قلت: وهذا الحق الصواب بإذن الله تعالى.
وقد ذكر الدكتور خالد الدريس أمرا آخر أيضا؛ فقال:
(إن البخاري لا يرد السند المعنعن إذا كانت المعاصرة ثابتة بيقين، ولمدة ليست بالقصيرة، ثم حفت بذلك السند قرينة تدل على قوة إحتمال اللقاء، كأن يدرك سعيد بن الحارث المدني خارجة بن زيد المدني أكثر منأربعين سنة، وهما يسكنان بلدا واحدا، فمثل هذا لا يرده البخاري لثبوت المعاصرةن وظهور قوة إحتمال اللقاء، ولكن شريطة ان لا يوجد ما يدفع إحتمال اللقاء، وأن لا يكون ما يروى بذلك السند فيه نكارة أو مخالفة).
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي معلقا على نظير كلام البخاري من كلام أحمد:
(فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية ابن مشيش وسئل عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ قال: ينبغي، هو قديم؛ قد سمع من ابن عمر.
قيل: لم يقل: إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال: هو قديم ينبغي أن يكون سمع منه، وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا).
هذا آخر ما أردنا بيانه وتوضيحه، فإن لم يقنعك فما لي بك حيلة ولا عليك طريقه.
فالحمد لله حمدا حمدا، والشكر له شكرا شكرا، والصلاة والسلام على النبي محمد ألفا ألفا
ـ[عبد الكريم بن عبد الرحمن]ــــــــ[03 - Jul-2009, مساء 12:45]ـ
فجمهور الأمة من علماء الحديث يشترطون في هذا أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضا مع براءتهم من التدليس.
إلا أن الإمام مسلما لم يشترط ثبوت الملاقاة أو التصريح بالتحديث. وادعى رحمه الله الإجماع فيه. (وانظر لمزيد فائدة حول هذا كتاب "الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح 2/ 524 - 531" و كتاب "بهجة المنتفع ص202 وما بعدها" كلاهما للشيخ مشهور أيده الله).
وبعبارة أخرى أقول:
تكلم العلماء في تصحيح الإسناد المعنعن والحكم باتصاله، فمسلم يرى أن الراوي إذا عاصر من روى عنه، وجائز له لقاؤه والسماع منه؛ فالرواية ثابتة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا.
وقد شنع مسلم على مخالفه الذي اشترط تحقق السماع ولو مرة واحدة، ولم يُسمه.
وادعى مسلم أن الذي يشترط السماع في الرواة المتعاصرين في الإسناد المعنعن قد أتى بقول مخترع، واستدل على ذلك بأسانيد ساقها وهي معنعنة ليس في صيغ أدائها سماع، وقد أجمع العلماء على صحتها.
وقد تكلم العلماء فيمن أبهمه مسلم وتناوله بالنقد، وبينوا أن صاحب اشتراط السماع هو البخاري وشيخه علي بن المديني رحمهما الله.
وعاب العلماء على مسلم تبديع مخالفه وشناعته عليه، وبينوا أن الصواب مع مخالفيه، وأنهم عامة علماء ذلك العصر.
قال الحافظ ابن الصلاح: (والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره هو القول الذي عليه أئمة العلم كالبخاري وابن المديني وغيرهما).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله).
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: (وهذا الذي رده مسلم صوبه المحققون، وهو المختار الصحيح وعليه أئمة المحدثين كعلي بن المديني والبخاري وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين).
والعلماء جميعا قد بينوا أن المبهم الذي تناوله الإمام مسلم بالنقد هو البخاري رحمه الله وعلي بن المديني وتلقوا ذلك بالقبول.
¥