قال عبد الله: سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من عبيد الله.

وكان عبد الله قد روى قبل ذلك عن أبيه: ثنا هشيم أخبرنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .. ثم قال: وعبيد الله بن عمر … فظاهر هذا أن هذا من تدليس العطف.

وأما تدليس المتابعة:

فأعني به أن يروي الراوي خبرا عن شيخين له أو أكثر ويكون بين من روى عنهم اختلاف إما باللفظ أو الإسناد، فيحمل رواية أحدهما على الآخر ولا يبين.

قال ابن رجب في «شرح العلل» (ص: 506):

(شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر روى عنه أحاديث منها: حديث ابن المنكدر عن جابر مرفوعاً (من قال حين يسمع النداء … الحديث) وقد خرجه البخاري في «صحيحه» وله علة ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: قد طعن في هذا الحديث، وكان عرض شعيب على ابن المنكدر كتاباً فأمر بقراءته عليه فعرف بعضاً وأنكر بعضاً، وقال لابنه أو ابن أخيه: اكتب هذه الأحاديث فدوّن شعيب ذلك الكتاب ولم يثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس، وعرض عليّ بعض تلك الكتب فرأيتها مشابها لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث قال ابن رجب: ومصداق ما ذكره ابن أبي حاتم أن شعيب بن أبي حمزة روى عن ابن المنكدر عن جابر حديث الاستفتاح في الصلاة بنحو سياق حديث علي، فرجع الحديث عن الأعرج، وإنما رواه الناس عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن طالب، ومن جملة من رواه عن الأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة، وقيل إنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج.

وروي عن محمد بن حمير عن شعيب عن ابن أبي فروة وابن المنكدر عن الأعرج عن محمد بن مسلمة.

ورواه أبو معاوية عن شعيب عن إسحاق عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن محمد بن مسلمة، فظهر بهذا أن الحديث عن شعيب عن أبي فروة وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث ابن أبي فروة يرويه شعيب عنه.

وحاصل الأمر: أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، فمنهم من ترك إسحاق وذكر ابن المنكدر، ومنهم من كنى عنه فقال: عن ابن المنكدر وآخر وكذا وقع في «سنن النسائي»، وهذا مما لا يجوز فعله، وهو أن يروي الرجل حديثاً عن اثنين أحدهما مطعون فيه والآخر ثقة، فيترُكُ ذكر المطعون فيه ويذكر الثقة، وقد نص الإمام أحمد على ذلك وعلّله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة وهو كما قال فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمولا عليه، فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، ويرجع إلى حديث الأعرج ورواية الأعرج له معروفة (1) عن ابن أبي رافع عن علي، وهو الصواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما، وهذا الاضطراب الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر …

وقد كان بعض المدلَّسين يسمع الحديث من ضعيف فيرويه عنه ويدلسه معه عن ثقة لم يسمعه منه فيظن أنه سمعه منهما كما روى معمر:

عن ثابت وأبان وغير واحد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن الشغار.

قال أحمد: هذا عمل أبان، يعني أنه حديث أبان وإنما معمر يعني لعله دلسه ..

ومن هذا المعنى: أن ابن عيينة كان يروي عن ليث وابن أبي نجيح جميعاً عن مجاهد عن أبي معمر عن علي حديث القيام للجنازة.

قال الحميدي: فكنا إذا وقفناه عليه لم يدخل في الإسناد أبا معمر إلا في حديث ليث خاصة، يعني أن حديث: ابن أبي نجيح كان يرويه عن مجاهد عن علي منقطعا، وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين ورواه ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح وحده وذكر في إسناده مجاهداً وهو وهم.

قال يعقوب بن شيبة: كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين فيسند الكلام عن أحدهما فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله. اهـ.

في هذا الكلام الذي سبق ذكر ابن رجب ثلاثة أمثلة والكلام فيها قد يطول وبالذات الحديث الأول، ولكن أذكر باختصار معنى ما ذكره ابن رجب فيما يتعلق بهذا النوع من أنواع التدليس:

فأما الحديث الأول: فأقول وبالله التوفيق:

شعيب من كبار الحفاظ وحديثه على ثلاثة أقسام:

1ـ إذا حدث عن الزهري وهو أصح حديثه، بالذات إذا كان من كتابه، فكتبه من أصح الكتب وقد أثنى عليها أحمد ثناءً كبيراً.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015