قال ابن رجب: (لكن الكلبي لا يعتمد على ما يرويه، وإن صحت هذه الحكاية عن عطية فإنما يقتضي التوقف فيما يحكيه عطية عن أبي سعيد من التفسير خاصة، فأما الأحاديث المرفوعة التي يرويها عن أبي سعيد فإنما يريد أبا سعيد الخدري ويصرح في بعضها بنسبته) اهـ من «شرح العلل» (ص: 471). والشاهد من هذا هو عدم تعميم هذا الحكم في كل ما رواه عطية عن أبي سعيد فيقال (لعله الكلبي) ويستدل على هذا بالقصة السابقة.
ومن ذلك: أن الحفاظ ينصون أحياناً أن فلاناً ليس له تدليس عن فلان أو غيره من شيوخه. ومن ذلك: ما قاله البخاري عن الثوري: (ولا أعرف للثوري عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور ـ وذكر مشايخ كثيرة ـ ولا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليساً، ما أقل تدليسه) اهـ من «العلل الكبير» للترمذي (2/ 966).
ومن ذلك: إذا كان الرواي الموصوف بالتدليس مكثراً عن شيوخ معينين فالأصل في روايته أنها تحمل على الاتصال، قال الذهبي في «الميزان» (2/ 224) عن الأعمش: (وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال) اهـ.
د ـ ثم ينظر بعد ذلك إلى القرائن الأخرى من استقامة الخبر.
فإذا وجد في الخبر نكارة أو غرابة أو مخالفة فهذا قرينة على التدليس، ولذلك تجد أن الأئمة أحياناً إذا استنكروا شيئاً ردوه بعدم ذكر السماع كما هو معلوم.
وأما إذا كان المدلس يدلس تدليس التسوية:
أ ـ فينظر إلى تصريحه بالتحديث بينه وبين شيخه وشيخ شيخه لأن التسوية هي إسقاط شيخ شيخه من قبل الراوي. وقد يكون المسقط ضعيفاً هو الغالب أو لا، ينظر «النكت على ابن الصلاح» لابن حجر (2/ 621).
ب ـ هذا النوع وهو (تدليس التسوية) من حيث الناحية العملية ليس بالكثير.
فمثلاً (بقية بن الوليد) وهو ممن وصف بذلك لو فتشت عن أمثلة لهذا النوع من التدليس قد لا تجد إلا مثالاً واحداً ذكره الخطيب في «الكفاية» (ص 364) عن أبي حاتم الرازي، وهو في «العلل» (2/ 154 ـ 155) وذكر أيضاً هذا المثال من جاء بعد الخطيب. ولعل (الوليد بن مسلم) أكثر من يفعل ذلك كما في ترجمته، وهذا لم يثبت عنه إلا في حديث الأوزاعي خاصة.
ج ـ ذكر من وصف بذلك وهم:
1 - بقية بن الوليد.
2 - الوليد بن مسلم.
3 - صفوان بن صالح (1).
4 - ومحمد بن المصفى (2).
5 - سليمان الأعمش.
6 - الثوري (3).
7 - هشيم بن بشير (4).
8 - سنيد بن داود (5).
9 - إبراهيم بن عبد الله المصيصي (6).
10 - أصحاب بقية بن الوليد (7).
وكان مالك بن أنس يفعل ذلك ولكن لم يكن يقصد التسوية، ينظر «النكت» لابن حجر على ابن الصلاح (2/ 618 ـ 620). ولا أعلم غير هؤلاء وصفوا بالتسوية.
وأما تدليس الشيوخ:
فهو أن يسمي شيخه أو يكنيه خلاف اسمه المشهور في اسمه أو كنيته كما فُعل بـ (محمد بن سعيد الأسدي الشامي المصلوب) قال ابن حجر: قيل: قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى.
فالذي ينبغي عمله تجاه هذا النوع هو تحديد اسم الراوي والتأكد من ذلك حسب.
وأما تدليس الإرسال:
فينظر في ثبوت لقاء وسماع هذا الراوي من شيخه الذي روى عنه، فإذا ثبت ذلك فتحمل باقي أحاديثه على الاتصال حتى يدل دليل على خلاف ذلك كأن يكون لم يسمع منه إلا القليل أو حديثاً بعينه لم يسمعه، وقد تقدم الكلام على هذا.
وأما تدليس العطف:
فهو أن يروي الراوي عن شخص سمع منه ثم يعطف عليه راو آخر لم يسمع منه، وقد روى الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص: 131) فقال: (وفيما حدثونا أن جماعة من أصحاب هشيم اجتمعوا يوماً على أن لا يأخذوا منه التدليس ففطن لذلك فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفاً مما قلته إنما قلت حدثني حصين، ومغيرة غير مسموع لي) ا هـ.
فهذه القصة لم يسندها الحاكم فعلى هذا لا تصح، ومن ذكرها إنما ذكرها عن الحاكم ـ فيما أعرف ـ.
ولكن في «العلل» للإمام أحمد برواية عبد الله خبرا من رواية هشيم قد يصلح أن يكون مثالاً على هذا النوع، قال عبد الله (2192) ثني أبي ثنا هشيم قال: وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر …
¥