2ـ إذا حدث عن غير الزهري ولا يكون شيخه ابن المنكدر كنافع مثلاً، وهذا أيضاً صحيح، ولكن دون الأول، وبالذات إذا كان من كتابه.

3 ـ إذا حدث عن ابن المنكدر فقد تكلم أبو حاتم الرازي في روايته عنه، والسبب في ذلك أن شعيباً أراد أن يسمع من ابن المنكدر فكتب أحاديثه ويظهر أنه أخذها من غير ثبت ـ ولعله ابن أبي فروة ـ فعندما عرضها على ابن المنكدر عرفه بعضها وأنكر البعض ويبدو أن شعيباً لم يصحح ذلك وبقي الكتاب عنده، وكان شعيب عسرا في الراوية وعندما نزل به الموت جاء إليه وجوه الحمصيين وطلبوا منه الرواية عنه فأجازها لهم فرووها من كتبه، ومنها روايته عن ابن المنكدر، ومن حديث ابن المنكدر حيث الاستفتاح، وكان شعيب سمعه أيضاً من ابن أبي فروة، فروي عن شعيب عن ابن أبي فروة وابن المنكدر، وروي أيضاً عن ابن المنكدر لوحده ويرى ابن رجب أن لفظ الحديث إنما هو لابن أبي فروة وليس لابن المنكدر، واستدل بهذا على تأييد كلام أبي حاتم الرازي في حديث الدعاء بعد الأذان، وهذا الحديث صححه البخاري بإخراجه في «صحيحه» (614) وأخرجه الترمذي (211) وقال (حديث حسن (1) غريب من حديث ابن المنكدر لا نعلم أحداً رواه غير شعيب بن أبي حمزة).

وصححه ابن حزيمة (420) وابن حبان (1681).

والكلام على هذا المثال يطول، ولكن كما ذكرت المقصود هو الكلام على هذا النوع من أنواع التدليس.

وأما المثال الثاني الذي ذكره:

فرواه معمر عن ثابت وأبان بن أبي عياش ـ وهو متروك ـ كلاهما عن أنس، فذهب أحمد إلى أن اللفظ المذكور إنما هو لفظ أبان وليس ثابت، وأن لفظ حديث ثابت يختلف فعلى هذا يكون الحديث ضعيفاً.

وأما المثال الثالث:

فروى ابن عيينة حديثاً عن ليث ـ وهو ابن أبي سليم ـ وهو ضعيف عن مجاهد عن أبي معمر عن علي رضي الله عنه به.

ورواه أيضاً عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن علي به، ومجاهد لم يسمع من علي فيكون منقطعاً، فأحياناً يروي ابن عيينة الحديث عنهما فيعطف رواية ابن أبي نجيح على رواية ليث ولا يبين وهذا يفيد أن ابن عيينة أحياناً يدلس عن الضعفاء وإن كان الغالب عليه لا يدلس إلا عن الثقات.

ومن الأمثلة على ذلك:

ما رواه أبو داود (1573) من طريق ابن وهب أخبرني جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي رضي الله عنه فذكر حديثاً في الزكاة.

* قال الزيلعي في «نصب الراية» (2/ 328):

(ولا يقدح فيه ضعف الحارث لمتابعة عاصم له، وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث رواه وهب عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم، والحارث عن علي، فقرن أبو إسحاق بين عاصم والحارث، والحارث كذاب، وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا، وهو أن الحارث أسنده وعاصم لم يسنده فجمعهما جرير وأدخل حديث أحدهما في الآخر وكل ثقة رواه موقوفاً، فلو أن جريرا أسنده عن عاصم وبين ذلك أخذنا به) اهـ.

قلت: وما قاله عبد الحق واضح وهو أن رواية عاصم عن علي موقوفة، وقال أبو داود: ورواه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه. اهـ.

وأما رواية الحارث عن علي فهي مرفوعة فرواه جرير عن أبي إسحاق عن عاصم والحارث عن علي مرفوعاً، والصواب التفصيل كما تقدم.

مثال آخر:

روى الترمذي (1728) ثنا قتيبة ثنا سفيان بن عيينة وعبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس رفعه: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».

قلت: اختلف الرواة عن زيد بن أسلم في لفظ هذا الحديث فبعضهم رواه بلفظ (أيما …) كما هي رواية ابن عيينة، ورواه آخرون بلفظ (إذا دبغ الإهاب …) كما تقدم كما هي رواية مالك وغيره وفي رواية قتيبة السابقة يبدو أنه عطف رواية ابن عيينة لأنه جاء من طريق آخر عن الدراوردي بلفظ (إذا دبغ .. ) فقد رواه الدارقطني (1/ 46) في «سننه» من طريق ابن أبي مذعور عن الدراوردي به.

والأمثلة على هذا النوع من أنواع التدليس تكثر لمن أراد أن يتتبعها، فهذا النوع من أنواع التدليس مهم جداً، ويخفى على الكثير كما قال عبد الحق: (وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا)، وعندي أن هذا النوع أخطر وأكثر خفاء من تدليس التسوية لأمرين:

1 - لكثرة وقوعه بخلاف التسوية، فإنه نادر.

2 - لأنه أكثر خفاء من التسوية كما تقدم.

والله تعالى أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015