ـ[أبو القاسم]ــــــــ[13 - Jun-2009, مساء 02:47]ـ
إذا تقرر محل النزاع الذي قال فيه ابن دقيق العيد:فيه بحث
فهذا أوان تجلية الأمر باختصار:
أصل الخلاف:
-هل (إنما) عبارة عن تركيب من "إنّ" المثبتة, و (ما) النافية؟ أعني هل "ما" في قوله "إنما" نافية في الأصل؟ .. هذا قول الرازي وجماعة .. وهو ضعيف .. فكيف يجتمع الإثبات والنفي في صدر معا؟
-أم أنها -أعني "إنما"- كلمة واحدة بسيطة لا مركبة .. خصصت بهذا المعنى الذي هو الإثبات والنفي في أصل الوضع؟ .. وهو أيضا ضعيف
-أم أن "ما" زائدة كافّة؟ .. وعليه فهي لا تفيد الحصر؟
-أم هي دالة على معنى "ما وإلا" بالمفهوم؟
فعلى القول الأول تدل على الحصر بالمنطوق .. وكذلك القول الثاني
ودلالة المنطوق هي ما تؤخذ من اللفظ سواء بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام .. كما في قول الله تعالى "ولا تقل لهما أفّ" ..
منطوق اللفظ يدل على تحريم التأفف .. ولكن بالمفهوم:يحرم التعرض لهما بالضرب من باب أولى ..
فإذا أخذت بدلالة المطابقة والتضمن .. كان المنطوق صريحاً .. وإذا أخذت بدلالة اللزوم .. كان المنطوق غير صريحاً ..
والفرق بين المنطوق غير الصريح , والمفهوم .. أن الأول يؤخذ بشيء متعلق بنفس اللفظ .. لا من قرائن خارجية
وعلى الثالث: كيف استفدنا الحصر منها والحال أن "ما" زائدة كافة .. وعليه جماهير النحاة
وجه الإشكال:أن كون "ما" زائدة فهي لا تفيد شيئا مؤسسًا .. كـ"ما" النافية مثلا .. أو الاستفهامية .. أو غير ذلك
ولهذا ذهب كثير من النحويين -خلافا للأصوليين-إلى أنها لا تفيد الحصر .. وأن الحصر إنما يستفاد بالقرائن التي تحف الجملة
وهؤلاء قالوا إنها تفيد زيادة التوكيد في إثبات الشيء المثبت .. على اعتبار أن ما زائدة .. وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى
قال أبو حيان الأندلسي: لا تدل على الحصر بالوضع كما أن الحصر لا يفهما من أخواتها -يعني لعلما وكأنما .. ونحو ذلك-ثم قال:وإنما يفهم الحصر من سياق الكلام لا أن (إنما) دلت عليه ..
وقد اعترض الزركشي على استدلال ابن دقيق العيد المذكور في فهم دلالة الحصر من "إنما" بحديث ابن عباس وفهمه وعدم معارضة الصحابة له في فهمه , لأن الحديث روي أيضا بلفظ:لا الربا إلا في النسيئة .. (وهذه مخرجة في البخاري)
ولكن الحافظ ابن حجر رد عليه استدراكه فقال ما معناه: بل هذه الرواية تقوي ما ذهب إليه ابن دقيق العيد .. ويدل على أن مفاد الصيغتين (وهما:"النفي المستثنى منه" وصيغة "إنما") ..
قلت: قد ورد في كتاب الله استعمال الصيغتين في نفس المعنى كما في قوله تعالى "إنما على رسولنا البلاغ المبين" .. وفي آية أخرى"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" .. فورود الروايتين نظير هاتين الآيتين ..
فالصحيح أنها تفيد الحصر وإن كانت مركبة من "إن" وما الكافة الزائدة .. لأنها تدل على معنى على الحصر لكونها بمعنى ما وإلا .. ومن الأدلة القوية على ذلك: صحة مجيء الضمير المنفصل (مثل هو ,أنا .. ) منفصلا عنها , كما في قولك:
إنما يجاهد في سبيل الله هو .. سواء بسواء كقولك: ما يجاهد في سبيل الله إلا هو .. وهذا يدل على كون (إنما) تتضمن معنى (ما وإلا) .. ومنه قول الفرزدق:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أومثلي
وكذلك يدل على كونها للحصر اتفاق المفسرين على هذا في المواضع التي فيها "إنما"
وهل الحصر بالمفهوم أم مستفاد من منطوق إنما؟
هذا ما أثاره ابن دقيق العيد وقال:فيه بحث ..
والصواب أن دلالة الحصر هنا منطوق غير صريح ..
على اعتبار أنه ثبت جواز مجيء إنما بمعنى ما وإلا كما تقدم ..
وتقدم الفرق بين المفهوم والمنطوق غير الصريح .. فالأول لايكون مستمدا من لفظ الجملة ..
بمعنى أنه لا ذكر له مباشرا ولا غير مباشر .. (اذكر مثال الضرب والتأفيف) بخلاف الثاني فيكون في الجملة شيء له تعلق باللفظ
لكنه لا يكون ذكرا مباشرا (لأنه منطوق غير صريح)
وبكلمة موجزة: دلالة المنطوق (بنوعيه) ما دل عليه اللفظ إما بالمطابقة وإما بالتضمن وإما باللزوم
ودلالة المفهوم:مادل عليه اللفظ لكن ليس عن طريق هذه الدلالات الثلاث
بقي أن يقال إن بعض أهل العلم أشار إلى أن الحصر مستفاد من تعريف الجزئين .. في قوله: الأعمال .. بالنيات
وليس من إنما .. وتعريف الجزئين مقتض للحصر كما هو معلوم .. كما في قولك:الرجل أنت .. أي ليس الرجل إلا أنت ..
¥