وقد ورد شبه ذلك من الكلام على أصول الإسلام مختزلة في بضعة أحاديث على لسان غير واحد من الأكابر .. وثم تغاير بينهم فثم من يجعلها أربعة .. ويختلفون في تحديد الأصول الكلية التي تختصر الإسلام .. لكنهم اتفقوا على إدخال حديث "إنما الأعمال بالنيات"
قال المعافري الأندلسي:
عمدة الدين عندنا كلماتٌ ... أربعٌ من كلام خير البريّة
اتق الشبهات وازهد ودع .. ما ليس يعنيك واعملنّ بنيّة
قوله:اتق الشبهات كناية عن حديث النعمان بن بشير "الحلال بين والحرام بين"
وقوله "ازهد" .. يقصد به حديث "ازهد ما في أيدي الناس"
ودع ماليس يعنيك يعني حديث "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" .. وهذا مرسل
واعملنّ بنية .. واضح
فائدة: قال الشيخ البسام في تعليقه على الحديث: من قصد في جهاده الغنيمة وحدها لم يأثم ولكن لا يعطى أجر المجاهد ..
وفيه نظر لأن الجهاد عبادة محضة فيجب أن تكون لله أصالة .. ثم إذا صاحبه نوايا أخرى لا بأس ولكن ينقص ذلك من أجره بحسبه .. أشبه مالو حج المرء لا يبتغي بذلك إلا التجارة يكون آثما مفرطا محروما
-يقول العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله: (كلمة "إنما " للحصر على ما تقرر في الأصول فإن ابن عباس رضي الله عنهمت فهم الحصر من قول النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الربا في النسيئة" وعورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل ولم يعارض في فهمه للحصر)
التعليق: كان ابن عباس يذهب إلى أن الربا المحرم هو النسيئة وحده وأما ربا الفضل فلا
فيجوز عنده أن تبيع مُدَّ تمرٍ بمدّين من تمر وحجته في ذلك ما أخرجه مسلم من طريق سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس (وأخرجه مسلم وغيره من طرق أخرى أيضا)
أن أسامة بن زيد حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إنما الربا في النسيئة" .. فهذا معنى كلام ابن دقيق العيد في كون ابن عباس فهم الحصر من هذه الكلمة "إنما" بأمارة أنه كان لا يرى الربا في غير النسيئة
ثم يقول إن الصحابة لم يعارضوه في الفهم =أي لم يقولوا له:من أين لك أن هذا اللفظ يدل على اختصاص ربا النسيئة بالتحريم؟ .. ولكن عارضوه بأدلة خارجية .. ويعني بذلك حديث عبادة بن الصامت (وهو من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث عنه به) وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب والفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (وفي الباب عن أبي سعيد الخدري)
فائدة: قد يروي ابن عباس وغيره من الصحابة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعها منه وإنما سمعها من صحابي آخر .. وهذا لا يضر باتفاق المحدثين لاتفاقهم على عدالة الصحابة
يتبع إن شاء الله تعالى
ـ[علي أحمد عبد الباقي]ــــــــ[10 - Jun-2009, مساء 06:43]ـ
جزاك الله خيرًا يا أخ أبا القاسم، وإن شاء الله يكون موضوعًا نافعًا، وكنت أتمنى لو بدأت بالتعريف بكتاب ((عمدة الأحكام)) وبيان أهم طبعاته وأفضلها، وكذلك أشهر شروحه وأوعبها وأفضل طبعات الشرح، حتى يتمكن الإخوة من متابعة الموضوع معك والنظر في تلك الكتب.
وكنت أتوقع أن تبدأ بمقدمة تبين فيها الحاجة لهذا الشرح وما هي الثمرة المرجوة منه مع وجود كل هذا الكم الهائل من الشروح لهذا الكتاب الماتع في الشبكة وفي غيرها، بارك الله فيك.
ـ[أبو القاسم]ــــــــ[11 - Jun-2009, مساء 10:00]ـ
وإياكم يا شيخ علي .. لكن قل لي بارك الله فيك:يا أخي أبا القاسم .. ولا تحذف الياء .. ليكون الخطاب أرق بين المتحابين فيه
وبخصوص ملاحظتك الكريمة .. فإني قصدت شرح بعض عبارات ابن دقيق العيد لأهمية كتابه:إحكام الأحكام
الذي أملاه على العماد بن الأثير مع كون حجمه معقولا (نحو مجلدين أو مجلد من ثمانمئة صفحة) .. ولم أقصد أن أشرح عمدة الأحكام على غرار ما فعل الشراح .. فالشروح السهلة جدا موفورة .. كشرح الشيخ البسام
والشروح المطولة أيضا موجودة كشرح العلامة السفاريني الذي طبع بأخرة .. وشرح ابن المقن
ذلك أن كلام ابن دقيق العيد فيه صعوبة ويتضمن الاختصار بالإشارة إلى الشيء دون الاستفاضة فيه
والله يرعاك .. واعلم أني شرفت بتعقيبك
وأما الطبعات فحسب علمي القاصر أن أفضل طبعة لكتاب الإحكام طبعة العلامة أحمد شاكر .. وإن لم تكن الأفضل
فهي بلاشك طبعة جيدة لجلالة قدر صاحبها وكونه من المحققين المعروفين بالدقة والرصانة وسعة العلم
ـ[علي أحمد عبد الباقي]ــــــــ[12 - Jun-2009, صباحاً 05:07]ـ
أخي الفاضل / أبا القاسم
يعلم الله أني أحبكم فيه، استمر أعانك الله وبارك فيك.
ورزقنا وإياك العلم النافع.
ـ[أبو القاسم]ــــــــ[12 - Jun-2009, صباحاً 11:27]ـ
أحبك الله تعالى الذي أحببتني من أجله .. شيخنا الفاضل ..
قال الحافظ ابن دقيق العيد بعد ما سبق "ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه , وهل نفيه عما عداه بمقتضى موضوع اللفظ أو هو من طريق المفهوم؟ فيه بحث"
ولم يناقش هذا البحث إنما أشار إليه كما ترى ..
فهو يقول معنى الحصر المستفاد من كلمة "إنما":إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه .. وذلك
كقول الله تعالى "إنما إلهكم الله " ففيه إثبات استحقاق العبودية لله .. ونفي ذلك عما عداه
ثم قال:وهل هذا النفي بمقتضى موضوع اللفظ؟ أم هو من طريق المفهوم ..
أي هل استفدنا النفي الذي في معنى الحصر في كلمة إنما .. من دلالة اللفظ نفسه وهو النطق
أم من المفهوم والفحوى؟ وبيان الفرق بين المفهوم واللفظ يتضح بالمثال
لو قال قائل:لا تذهب إلى السوق .. فالسامع استفاد النهي من اللفظ وهو ما تدل عليه: لا, الموضوعة للنهي
بخلاف ما لو قال: ذهابك للسوق يغضبني .. فمفهوم الخطاب هنا أنه يدعوه لعدم الذهاب ..
وبمثال أقرب لموضوع البحث ..
لو قلت:لا إله إلا الله .. هذا أسلوب حصر بالاتفاق .. وهو مستفاد من اللفظ ..
لأنه نفى جنس الآلهة كلها .. ثم أثبت إلهاً واحداً وهو الله تعالى ..
فحاصل سؤاله: هل "إنما" تدل على هذا الحصر بدلالة منطوقها .. كما في جملة الاستثناء المنفية السابقة
أم هي دالة على الحصر من طريق آخر وهو ما يفهم من فحوى الجملة حين تصدر بها "إنما"؟
سيأتي الجواب بإذن الله تعالى
¥