قال ابن رجب معقبًا على كلمة القطان: "من عُرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه؛ فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك") ا. هـ.

على أن عامة عمل النقاد على تضعيف الأحاديث بالانقطاع، ولو كان الراوي روى في مواضع أخرى عن شيخه الذي لم يسمع منه بواسطة ثقة، والإمامان الحافظان الدارقطني والبيهقي ردَّا أحاديث لعبدالله بن بريدة عن عائشة، ولم يجزما -كما جزم الباحث- بأن الواسطة: يحيى بن يعمر، وأن الحديث متصل، بل لم يذكرا ذلك البتة، ولا حتى أشارا إليه.

لكن ربما حصل التسمُّح من الأئمة فيما يصح أن يُتسمَّح فيه -كما سبق عن علي بن المديني في رواية مجاهد عن علي، وعن ابن رجب-، وحديثنا هذا مما لا يصح التسمُّح فيه؛ لأن في المرفوع -إضافة إلى الانقطاع المذكور- علة أخرى، لم يولها الباحث اهتمامه، وهي ما يلي:

7 - أغفل الباحث علة قوية في الحديث، وهي أن هذا الدعاء معروف عن عائشة موقوفًا.

فقد أخرجه ابن أبي شيبة (29187)، وجعفر الخلدي في الفوائد والزهد (2)، والبيهقي في شعب الإيمان (3428) من طريق شريح بن هانئ،

والنسائي في الكبرى (10714) من طريق مسروق،

والخطيب في تاريخ بغداد (6/ 162، 13/ 199) من طريق الحسن،

ثلاثتهم عن عائشة -رضي الله عنها- به موقوفًا عليها، قالت: «لو عرفت أي ليلة ليلة القدر ما سألت الله فيها إلا العافية»، هذا لفظ شريح بن هانئ، ويقاربه لفظ الحسن، وزاد: «العفو والعافية»، وقال مسروق عنها: «لو علمت أي ليلة ليلة القدر لكان دعائي فيها أن أسأل الله العفو والعافية».

وإسناد رواية شريح بن هانئ صحيح إن ثبت سماع أبي إسحاق الشيباني من العباس بن ذريح، فإن روايته عنه بالعنعنة. وهو صحيح بلا قيود -فيما يظهر- على منهج الباحث في مسألة العنعنة.

وفي طريق مسروق: عبدالله بن جبير، شريكُ مسروقٍ على السلسلة، ولم أجد ترجمة لعبدالله هذا، وقد جاءت تسميته -في تاريخ واسط، لبحشل (ص38) -: عبدالله بن حنين، ولم أجد له بهذا الاسم ترجمةً أيضًا، ولعل كونه شريكًا لمسروق يدل على معرفته به، وعلاقةٍ بينهما.

وفي رواية الحسن عن عائشة: الربيع بن صبيح، متكلم فيه، والراوي عنه معروف الكرخي، اشتهر بالزهد والصلاح، قال ابن حبان -في الثقات (9/ 206) -: (ليس له حديث يُرجع إليه).

ثم إن بعض العلماء ذكر أن الحسن لم يسمع من عائشة -كما في تهذيب الكمال (6/ 97) -.

ومن ثمَّ فلم يخلُ طريق من الموقوفات عن عائشة من كلام، وأصحها الوجه الأول، وضعف كل طريق مما يحتمل، واجتماع هذه الطرق يدل على أن الوجه الموقوف عن عائشة -رضي الله عنها- هو المعروف، وأن المرفوع فيه نظر، خاصة إذا انضاف إلى ذلك ما سبق فيه من الانقطاع.

ولا يبعد أن النسائي يُعلُّ المرفوع بالموقوف، فقد أسند في سننه الكبرى طرق الحديث عن ابن بريدة عن عائشة مرفوعًا، ثم أعقب ذلك بطريق مسروق الموقوفة خاتمًا بها الباب.

والله أعلم.

الصنف الثاني: قضايا ثانوية:

1 - قال الباحث: (قال ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (27/ 139) في ترجمة عبد الله بن بُريدة، وقد ساق إسْناده إلى ابن حبَّان، قال ابن عساكر: وذكر حديثًا من رواية ابن بريدة عن عمران بن حصين، فقال - يعني ابن حبَّان -: هذا إسنادٌ قد يُوهِم مَن لم يُحْكِم صناعة الأخْبار ... ) إلخ.

وهذا الكلام موجود في صحيح ابن حبان (6/ 259 - ترتيبه)، ولا حاجة في نقله إلى الواسطة.

2 - قال الباحث: (وقد صحَّ شهودُه مقتل عثمان يوم الدَّار، رواه ابنُ عساكر (27/ 129) من طريق أبي زرعة، حدَّثنا أحمد بن شبويه ... ) إلخ.

وهذا موجود في تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 630)، ولا حاجة في نقله إلى الواسطة.

3 - قال الباحث: (وهيهات! فلا يركب هذا السَّبيل في هذا العصر إلا أقل القليل، فالكلُّ قد ركِب سبيل مسلم في تصحيح الأحاديث دون اعتِبار هذا الشَّرط).

في قوله: (فالكلُّ) تجنٍّ على من رجَّح هذا القول وعمل به من علماء الحديث هذا العصر، وليسوا هم (أقل القليل)، بل هم جماعة معتبرون، على أن النظر هنا لا يكون للكثرة والقلة، بل للمكانة ومدى قوة التحرير.

4 - ذكر في هامشه عبارة مقتضبة حول زيادة لفظة «كريم» في الحديث، وقد قال الشيخ الألباني -في الصحيحة (7/ 1011، 1012) -: (وقع في «سنن الترمذي» بعد قوله: «عفو» زيادة: «كريم»، ولا أصل لها في شيء من المصادر المتقدمة، ولا في غيرها ممن نقل عنها، فالظاهر أنها مدرجة من بعض الناسخين أو الطابعين؛ فإنها لم ترد في الطبعة الهندية من «سنن الترمذي» التي عليها شرح «تحفة الأحوذي» للمباركفوري (4/ 264)، ولا في غيرها. وإن مما يؤكد ذلك: أن النسائي في بعض رواياته أخرجه من الطريق التي أخرجها الترمذي، كلاهما عن شيخهما (قتيبة بن سعيد) بإسناده دون الزيادة ... ) ا. هـ.

وزيادة «كريم» ليست في نسخة الكروخي (ق240أ) كذلك، وهي أوثق نسخ الترمذي.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015