ومثله قوله في أواخر المبحث: (والحاصل: أنَّ عبد الله بن بريدة قد عاصر عائشةَ بالسِّن زمانًا طويلاً، ولو لم يثبت لقيُّه لها في بلدةٍ واحدةٍ، أو مصرٍ من الأمصار، لصحَّت روايته عنْها على شرْط مسلم ... ).

وهذا بالضبط عين الخلل الذي نبَّه عليه شيخنا -حفظه الله ورعاه-.

5 - أطال الباحث في الكلام على رواية عبدالله بن بريدة عن أبي الأسود، وذكر تخريج البخاري هذه الرواية، وإنكار الدارقطني سماعه منه.

وقال: (وقول الدَّارقطني هنا معارَضٌ بقول البُخاري صاحب هذا الشَّرط، ولا يقول أحدٌ إنَّه خالف شرْطَه، غايته أنَّه قد خفِي عن الدَّارقطني وعنَّا ما قد علِمَه هو).

ولم يكلف نفسه الرجوع إلى مقدمة فتح الباري، وإلى موضع الحديث من فتح الباري، ليتبين الأمر.

قال ابن حجر -في المقدمة (ص356) -: (ولم أره إلى الآن من حديث عبدالله بن بريدة إلا بالعنعنة، فعِلَّتُهُ باقية، إلا أن يعتذر للبخاري عن تخريجه بأن اعتماده في الباب إنما هو على حديث عبدالعزيز بن صهيب عن أنس بهذه القصة سواء، وقد وافقه مسلم على تخريجه، وأخرج البخاري حديث أبي الأسود كالمتابعة لحديث عبدالعزيز بن صهيب، فلم يستوفِ نفي العلة عنه كما يستوفيها فيما يخرجه في الأصول)، وقال -في الفتح (3/ 230) -: (ولم أره من رواية عبدالله بن بريدة عنه إلا معنعنًا، وقد حكى الدارقطني في كتاب التتبع عن علي بن المديني أن ابن بريدة إنما يروي عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود. قلت: وابن بريدة ولد في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب، لكن البخاري لا يكتفي بالمعاصرة، فلعله أخرجه شاهدًا، واكتفى للأصل بحديث أنس الذي قبله).

وهذا لا يكاد يشك فيه الناظر في سياق إخراج البخاري لحديث ابن بريدة عن أبي الأسود.

فليس في هذا حجة، ولا حاجة للإطالة فيه، ومع ذلك فإن الباحث أعاد هذه القضية وكررها حتى آخر مبحثه!

وبهذا يثبت أن لا حجة قائمة لمن أثبت سماع عبدالله بن بريدة من عائشة، وأن جزم الدارقطني -رحمه الله- بالانقطاع بينهما صادرٌ عن ذي قدم راسخة في هذا العلم، لا ينازِع في رسوخها حديثيٌّ، ومخالفة مثله فيما يجزم به مزلة أقدام، ثم إن البيهقي -رحمه الله- تابع الدارقطنيَّ على ذلك، ولم يبدِ عليه اعتراضًا.

6 - قال: (وهنا غرْزٌ نستمْسِك به، وهو أنَّ رواية ابن بريدة عن عائشة أيضًا إمَّا بلا واسطة بالعنْعنة، أو بيْنهما يَحيى بن يعمر أيضًا، فالَّذي نجزم به: أنَّه إن لم يكن سمِعَه منْها، فقد احتمله من ابن يعمر).

أما الجزم بتعيين الواسطة بأنها شخص معين، فلا يقبل البتة إلا بدليل ظاهر.

وكون ابن يعمر مروزيًّا، وقد سمع من الصحابة، "وعنْه روى ابن بريدة عن كلِّ مَن روى عنْه من الصَّحابة، خلا اثنين، ربَّما"= لا يصلح دليلاً للجزم والقطع بتعيين واسطة ابن بريدة إلى عائشة في كل رواياته بيحيى بن يعمر، فإن احتمال كونِ الواسطةِ غيرَهُ قائم، والمنازعة في ذلك مماحكة.

نعم، لو جاء الباحث بنصٍّ عن بعض الأئمة الجهابذة من أهل الاستقراء الواسع والحفظ والنقد، أو بنصٍّ صحيح من ابن بريدة -مثلاً- يفيد أن ما رواه عن الصحابة أخذه عن يحيى بن يعمر= لقُبل ذلك منه، لكنه لا يجد.

هذا مع أن ما ذكره الباحث من احتمال كون ابن يعمر هو واسطة ابن بريدة إلى عائشة= له وجهه تسمُّحًا، إلا أن الكلام في الجزم بذلك والقطع به.

ثم رأيت شيخنا د. إبراهيم اللاحم قد نبَّه على مثل هذا -في نفيسته: الاتصال والانقطاع (ص427) -، قال: (ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن الأئمة قد يذكرون واسطة بين راوٍ وآخر، إما شخصًا واحدًا أو أكثر، ويكون غرضهم بيان أنه لم يسمع منه، وهذا كثير جدًّا ... ، لكن لا يصح أن تُجعل هذه الواسطة هي التي بينهما في كل رواية ترد عنه وليس بينهما أحد، إذ غرض الأئمة من ذكرها هو إقامة الدليل على أنه لم يسمع لا أكثر، وقد يكون هناك غيرها ممن لم يُسَمَّ، ولكن لا بأس أن يُستأنس بها استئناسًا، كما قال يحيى القطان: "أما مجاهد عن علي، فليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي".

ومراد يحيى: أن ما يرسله مجاهد عن علي -رضي الله عنه- ليس به بأس، رغم أنه منقطع؛ لأن مجاهدًا قد روى عن علي بواسطة عبدالرحمن بن أبي ليلى غير ما أرسله، وعبدالرحمن ثقة، فلا يبعد أن يكون قد أسقطه فيما يرسله.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015