فهذا القول من ابن حبان أو غيره لا يصح اعتماده، ولا يصح أن يُتكَلَّف الجواب عن النصوص التي تخالفه؛ مع كون حاله كما وصف.

نعم، معتمدٌ عند العلماء أنه ولد في خلافة عمر، لكن التحديد المذكور هو موضع الردّ، خاصة أنه ورد عن أم ابن بريدة ما ينقضه.

ب- أما الجواب عن قول والدة ابن بريدة له: (يا بنيَّ، اذْهَب فالْعب مع الغِلْمان) بأنه يعني: أن هذا الأمر ليس إليك، ولا شأن لك به، فهذا صحيح جدًّا، إلا أن الجزم بأنه كان يومها في نحو العشرين من عمره ساقط؛ لسقوط مستنده.

ويبقى كلام أم عبدالله بن بريدة على ظاهره؛ من حيث إنه لا شأن له بمقتل عثمان -رضي الله عنه-؛ لكونه غلامًا صغيرًا، ومن حيث إنه لا يُقال: (يا بني، اذهب فالعب مع الغلمان) إلا للغلمان.

وهذا هو فهم الحافظ ابن عساكر؛ حيث أورد هذا القول في سياق ذكر تاريخ مولد ابن بريدة -في ترجمته في تاريخ دمشق (27/ 128، 129) -، وأراد بذلك أن يبيِّن أنه كان غلامًا صغيرًا حين قتل عثمان -رضي الله عنه-.

وقد ورد أن ابن بريدة قال: (شهدت الدار يوم قتل عثمان فرأيت الحسن بن علي معه)، وفي إسناد هذه الرواية نظر، ولو صحت؛ فإن شهود عبدالله بن بريدة الدار يوم قتل عثمان لا يتنافى مع كونه صغيرًا وقتها، فقد يشهد الوقعة صغيرًا ويعرف بعض شاهديها.

هذا، وقد خولف ابن حبان في سياقِهِ رحلةَ بريدة وابنيه أصلاً، فقد قال ابن سعد -في طبقاته (7/ 8) - في الكلام عن بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه-: (ثم هاجر إلى المدينة فلم يزل بها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وغزا معه مغازيه بعد ذلك، حتى قبض النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفتحت البصرة ومصرت، فتحول إليها واختط بها وبنى بها دارًا، ثم خرج منها غازيًا إلى خراسان في خلافة عثمان بن عفان، فلم يزل بها حتى مات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية)، واعتمد هذا ابنُ حجر، قال -في الإصابة (1/ 286) -: (وكان غزا خراسان في زمن عثمان، ثم تحول إلى مرو فسكنها، إلى أن مات في خلافة يزيد بن معاوية).

وهذا بانضمامه إلى قول أم عبدالله بن بريدة له= يدل على أنه قد خرج مع أبيه من المدينة مبكرًا؛ قبل خلافة عثمان بن عفان أو في أثنائها، وكان يوم قتل عثمان غلامًا صغيرًا -كما سبق في دلالة قول أمه له-، ولم يكن في المدينة.

وقول ابن بريدة: (جئتُ إلى أمِّي يوم قتل عثمان، فقلت: يا أمَّه، قُتِل الرجل ... ) = لا يتنافى مع ذلك، فإنه يحتمل أنه أراد: يوم بلغهم قتله وهم في البصرة أو في خراسان أو في مرو، وهذا احتمال وارد جدًّا، إذ لا يوجد في الرواية ما يصرح بأنهم كانوا في المدينة البتة.

فسقطت الثانية.

4 - قال الباحث: (وقضيَّة إنْكار سماعه منها ترجع إلى اعتِبار شرْط ثبوت اللقي ولو مرَّة، وأمَّا على من لا يشترط ذلك، فلا حاجةَ إلى هذا البحْث).

وعبارته الأخيرة خطأ ظاهر، وقد نبَّه عليه شيخنا د. إبراهيم اللاحم -في الاتصال والانقطاع (ص150 - 158) -، وكان مما قاله: (كان مسلمٌ -رحمه الله- دقيقًا جدًّا حين حرر محل النزاع، وأنه في رواية راوٍ توافر فيها عدة شروط: كونه ثقة، غير مدلس، عاصر من روى عنه، وأمكن لقاؤه والسماع منه، ولم يثبت ذلك صريحًا، ولم يكن هناك دلالة بينة على أنه لم يلقه، أو لم يسمع منه.

وهذه شروط محكمة جدًّا، تضيِّق دائرة الخلاف بين مسلم ومخالفه، فإذا لم تتوافر الشروط أو بعضها فإن مسلمًا لا يثبت السماع، ولا يحكم بالاتصال.

ومن ذلك قوله [يعني: الإمام مسلمًا] في رواية محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، عن جده عبدالله بن عباس: "ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه".

ومحمد بن علي كان له من العمر عشر سنوات حين وفاة جده، فالإمكان الحديثي للسماع غير متوافر، وانضم إلى ذلك أنه يروي عنه بواسطه والده ... ) إلى آخر كلام شيخنا، وفيه أمثلة كثيرة على هذا الخلل.

وتطبيقه هنا ظاهر، فالأخ الباحث -وفقه الله- ظنَّ أنه لا حاجة إلى النظر في سماع عبدالله بن بريدة من عائشة لمن لم يأخذ باشتراط ثبوت اللقي، وَفَاتَهُ أنه لا بد أن يحقق الشروط الأخرى من شروط مسلم، وأهمها: الإمكان الحديثي للسماع، وهو موطن العلة في هذا الحديث.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015