وكان الغرض من ذكر الحديث من روايته دفع الإعلال بالانقطاع؛ لأن (سليمان) لم يقل فيه أحد ما قالوا في أخيه، ولكن ما دام أنه لم يصح ذكره؛ فلم يتحقق الغرض ... ) انتهى كلام الألباني -رحمه الله-.
ج- رجَّح الباحث أن الطريقين محفوظان عن الثوري، مع أنه ظهر له مخالفة ثلاثة من الرواة للأشجعي، ويُزاد عليهم -كما سبق- ثلاث ثقات مأمونين: النعمان بن عبدالسلام، ومحمد بن يوسف الفريابي، وإسحاق الأزرق. والنعمان له اختصاص بالثوري، والفريابي معدود في أصحاب سفيان الرفعاء، وإن لم يكن في الطبقة الأولى منهم.
واعتمد الباحث في تصحيح رواية الأشجعي: ما ذكره بقوله عنه: (ثقة إمام ثبت مأمون، من أثبت النَّاس كتابًا في الثوري)، وهذا مسلَّم، والأشجعي مقدَّم في الثوري كذلك، إلا أن له إغرابات وانفرادات، وليس من لازم الثبت ألاّ يخطئ، واجتماع الرواة عن الثوري دليل على خطئه هنا.
وهذا ما رجحه الحافظ إمام العلل الدارقطني، حيث قال -في العلل (15/ 88، 89) -: (فأما الجريري فرواه عنه الثوري، واختلف عنه:
- فقال إسحاق الأزرق عن الثوري، عن الجريري، عن عبدالله بن بريدة، عن عائشة،
- وخالفه الأشجعي، فرواه عن الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن عائشة،
وقول الأزرق أصح). ولاحظ أن الدارقطني لم يذكر فيمن خالف الأشجعي إلا الأزرق، ومع ذلك فقد رجح روايته.
وكان على الباحث -وفقه الله- أن يستقصي كلام الأئمة في الاختلاف الذي ذكره.
2 - قال الباحث: (روى عبد الله بن بريدة عن أبيه (ت: 63)، وعن معاوية (ت: 60) ... ، وابن عمر (ت: 73)، وروايته عنهم ثابتةٌ في الصَّحيح وغيره، وسماعه منهم غير مُنْكر ... )، إلى أن قال: (فإن كان لم يخرج إلى مرو قبل ذلك، وقد صحَّ سماعه من ابن عمر، فقد تيقنَّا أنَّه سمعه من قبل خروجه إلى مرو، وابن عمر مقامه بالمدينة، وكذلك عائشة مقامها بالمدينة، فما يبعد سماعه منها، على أنَّ روايته عن عمران في البخاري، وقد صرَّح بالسماع، هذه واحدة).
وتصحيح الباحث سماعَ ابن بريدة من ابن عمر ينقضه حكم إمام حافظ ناقد، حيث سأل ابنُ أبي حاتم أباه -كما في العلل (2/ 184) -، قال: ... فابن بريدة أدرك ابن عمر؟ قال: (أدركه، ولم يَبِنْ سماعُهُ منه).
ويحتاج مع هذا النص أن يثبت صحة سماع ابن بريدة من ابن عمر، ولا أظنه يمكنه.
وأما حديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول إذا أخذ مضجعه: «الحمد لله الذي كفاني وآواني ... »؛ فإنه معلول، وليس هذا موطن بيان علته، وقد بيَّنها أبو حاتم -كما في الموضع المعزوِّ إليه قبلُ من علل ابنه-.
وهناك دلائل أخرى تثبت الانقطاع.
فانتقضت هذه الواحدة.
3 - قال الباحث: (وقد صحَّ شهودُه مقتل عثمان يوم الدَّار، رواه ابنُ عساكر (27/ 129) من طريق أبي زرعة، حدَّثنا أحمد بن شبويه، حدَّثنا الفضْل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة قال: جئتُ إلى أمِّي يوم قتل عثمان، فقلت: يا أمَّه، قُتِل الرجل، فقالت: يا بنيَّ، اذْهَب فالْعب مع الغِلْمان.
وكان سنُّه يومئذٍ نحو 20 عامًا، فقد كان مولِده في عهْد عُمر سنة 15 هـ، وأمَّا قوْل والدتِه له، فتعْنِي قطعًا أنَّ هذا الأمر ليس إليْك، ولا شأْنَ لك به، وإلاَّ فهذه السِّنُّ - كما لا يخفى - ليست سنَّ الغلمان، وهي سنُّ التحمُّل والأداء باتِّفاق، ومهْما يكن من أمر فما يبعد سماعه منها كذلك، وقد علِمنا أنَّه لم يخرج من المدينة قبل هذه السِّن، وهذه كافية وهي الثَّانية ... ).
وفي هذه الثانية نظر من وجهين:
أ- أما جزمه بتاريخ مولد ابن بريدة؛ فمستفاد من ابن حبان، وابن حبان استفاده من كلمة رويت عن ابن بريدة، قال: (ولدت لثلاث خلون من خلافة عمر)، ويشير إلى استفادة ابن حبان المباشرة من هذه الكلمة: أنه عبَّر بها -في مشاهير علماء الأمصار (ص125) -، قال: (كان مولده لثلاث سنين مضين من خلافة عمر بن الخطاب).
وقول ابن بريدة هذا جاء من طريق أبي تميلة، عن رميح بن هلال الطائي، عنه، وقد قال أبو حاتم في رميح بن هلال -كما في الجرح والتعديل (3/ 522) -: (مجهول، لا يعرف، لا أعلم روى عنه غير أبي تميلة)، وقال ابن حبان -كما في الميزان (2/ 54) -: (ينفرد عن المشاهير بالمناكير)، فهذه الرواية ساقطة، ولعله لذلك مرَّض القول بها أبو نصر الكلاباذي -في رجال البخاري (1/ 398) -.
¥