فقد روي عن غير واحد كابن جريج وابن عيينة وغيرهما أنهم قالوا: هو مالك. والذين نازعوا في هذا لهم مأخذان: أحدهما: الطعن في الحديث فزعم بعضهم أن فيه انقطاعًا.
والثاني: أنه أراد غير مالك كالعمري الزاهد ونحوه. فيقال: ما دل عليه الحديث وأنه مالك أمر متقرر لمن كان موجودا وبالتواتر لمن كان غائبا، فإنه لا ريب أنه لم يكن في عصر مالك أحد ضرب إليه الناس أكباد الإبل أكثر من مالك.
وهذا يقرر بوجهين: أحدهما: بطلب تقديمه على مثل الثوري والأوزاعي والليث وأبي حنيفة وهذا فيه نزاع ولا حاجة إليه في هذا المقام. والثاني: أن يقال: أن مالكا تأخر موته عن هؤلاء كلهم فإنه توفي سنة تسع وسبعين ومائة وهؤلاء كلهم ماتوا قبل ذلك. فمعلوم أنه بعد موت هؤلاء لم يكن في الأمة أعلم من مالك في ذلك العصر وهذا لا ينازع فيه أحد من المسلمين ولا رحل إلى أحد من علماء المدينة ما رحل إلى مالك لا قبله ولا بعده رحل إليه من المشرق والمغرب ورحل إليه الناس على اختلاف طبقاتهم من العلماء والزهاد والملوك والعامة. وانتشر موطؤه في الأرض حتى لا يعرف في ذلك العصر كتاب بعد القرآن كان أكثر انتشارًا من الموطأ وأخذ الموطأ عنه أهل الحجاز والشام والعراق ومن أصغر من أخذ عنه الشافعي ومحمد بن الحسن وأمثالهما وكان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك والحجازيين تمتلئ داره وإذا حدث عن أهل العراق يقل الناس لعلمهم بأن علم مالك وأهل المدينة أصح وأثبت. وأجل من أخذ عنه الشافعي العلم اثنان مالك وابن عيينة.
ومعلوم عند كل أحد أن مالكًا أجل من ابن عيينة حتى إنه كان يقول: إني ومالك كما قال القائل:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ** لم يستطع صولة البزل القناعيس
ومن زعم أن الذي ضربت إليه أكباد الإبل في طلب العلم هو العمري الزاهد مع كونه كان رجلًا صالحًا زاهدًا آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر لم يعرف أن الناس احتاجوا إلى شيء من علمه، ولا رحلوا إليه فيه. وكان إذا أراد أمرًا يستشير مالكًا ويستفتيه كما نقل أنه استشاره لما كتب إليه من العراق أن يتولى الخلافة فقال: حتى أشاور مالكًا فلما استشاره أشار عليه أن لا يدخل في ذلك وأخبره أن هذا لا يتركه ولد العباس حتى تراق فيه دماء كثيرة وذكر له ما ذكره عمر بن عبد العزيز - لما قيل له: ولِ القاسم بن محمد - أن بني أمية لا يدعون هذا الأمر حتى تراق فيه دماء كثيرة. وهذه علوم التفسير والحديث والفتيا وغيرها من العلوم، لم يعلم أن الناس أخذوا عن العمري الزاهد منها ما يذكر فكيف يقرن هذا بمالك في العلم ورحلة الناس إليه؟.
ثم هذه كتب الصحيح التي أجل ما فيها كتاب البخاري أول ما يستفتح الباب بحديث مالك وإن كان في الباب شيء من حديث مالك لا يقدم على حديثه غيره ونحن نعلم أن الناس ضربوا أكباد الإبل في طلب العلم فلم يجدوا عالمًا أعلم من مالك في وقته.
والناس كلهم مع مالك وأهل المدينة: إما موافق، وإما منازع فالموافق لهم عضد ونصير والمنازع لهم معظم لهم مبجل لهم عارف بمقدارهم.
وما تجد من يستخف بأقوالهم ومذاهبهم إلا من ليس معدودًا من أئمة العلم وذلك لعلمهم أن مالكًا هو القائم بمذهب أهل المدينة.
وهو أظهر عند الخاصة والعامة من رجحان مذهب أهل المدينة على سائر الأمصار، فإن موطأه مشحون: إما بحديث أهل المدينة، وإما بما اجتمع عليه أهل المدينة: إما قديما، وإما حديثا، وإما مسألة تنازع فيها أهل المدينة وغيرهم فيختار فيها قولا ويقول: هذا أحسن ما سمعت.
فأما بآثار معروفة عند علماء المدينة ولو قدر أنه كان في الأزمان المتقدمة من هو أتبع لمذهب أهل المدينة من مالك فقد انقطع ذلك. اهـ
و لا ننقل هذا تعصبا للشيخ لكن هذه شهادة شيخ الاسلام انه لم تضرب اكباد الإبل لعالم مثل ما ضربت لمالك و الله أعلم
ـ[أمجد الفلسطيني]ــــــــ[04 - May-2009, مساء 03:26]ـ
بوركتم ..
/// أما تفسير ابن عيينة فهو أولى من غيره لأنه راوي الحديث وراوي الحديث أعلم بمعناه من غيره لأنه أعلم بألفاظه والقرائن الحالية واللفظية المعينة على فهمه خاصة إذا كان هذا الراوي في طبقة متقدمة وفقيها بل إماما لا يخدش في دينه وورعه كما هو الحال هنا
هذا وجه
/// ووجه ثاني وهو أنه قد وافقه على هذا التفسير راو آخر للحديث وإمام آخر في العلم والورع والدين وهو عبد الرزاق الصنعاني
/// ووجه ثالث وهو عدم إنكار أهل العلم لهذا التفسير وذكرهم له على جهة التأييد والموافقة كما تراه عن ابن معين وابن أبي حاتم الرازي وغيرهما
/// ووجه رابع وهو أنه في بعض الروايات عن ابن عيينة أنه قال:"كانوا يرون أنه مالك .. " قال ابن مهدي أي التابعين.
/// ووجه خامس وهو أن في رواية ابن أبي حاتم لكلام عبد الرزاق قال:"كنا نرى" أي علماء عصره من أتباع التابعين
/// ووجه سادس أنه تفسير راو آخر من رواة الحديث وإمام من أئمة الإسلام وهو ابن جريج
/// ووجه سابع أنه قد تواتر عن السلف أن مالكا عالم المدينة وأنه لم يبق له نظير في العلم والشهرة وكثرة الآخذين باجتهاده وعنه كما تجده للأوزاعي وغيره فكلامهم وإن لم يكن في تفسير هذا الحديث إلا أنه موافق لتفسير ابن عيينة وغيره في المعنى.
وقد اعتمد الفقهاء على ما هو أقل من هذا في تفسير الأحاديث من الرواة
ولا أدري لو كان هذا الحديث في فضل إمام المخالف للمالكية هل كان سيرد تفسير ابن عيينة مع كل هذه الدعائم؟
¥