وبذلك يرد على ابن حزم دعواه الانقطاع اهـ.

وهذا الذي قاله خطأ نشأ عن عدم تأمل، وذلك أن القائل " حدثنا الحسين بن إدريس " هو العباس بن الفضل شيخ أبي ذر لا البخاري، ثم هو الحسين بضم أوله وزيادة التحتانية الساكنة وهو الهروي لقبه خرم بضم المعجمة وتشديد الراء، وهو من المكثرين، وإنما الذي وقع في رواية أبي ذر من الفائدة أنه استخرج هذا الحديث من رواية نفسه من غير طريق البخاري إلى هشام، على عادة الحفاظ إذا وقع لهم الحديث عاليا عن الطريق التي في الكتاب المروي لهم يوردونها عالية عقب الرواية النازلة، وكذلك إذا وقع في بعض أسانيد الكتاب المروي خلل ما من انقطاع أو غيره وكان عندهم من وجه آخر سالما أوردوه، فجرى أبو ذر على هذه الطريقة، فروى الحديث عن شيوخه الثلاثة عن الفربري عن البخاري قال: " وقال هشام بن عمار " ولما فرغ من سياقه قال أبو ذر: حدثنا أبو منصور الفضل بن العباس النضروي حدثنا الحسين بن إدريس حدثنا هشام بن عمار به " وأما دعوى ابن حزم التي أشار إليها فقد سبقه إليها ابن الصلاح في " علوم الحديث " فقال: التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها، وصورته صورة الانقطاع وليس حكمه ولا خارجا - ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح - إلى قبيل الضعيف، ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر وأبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف " الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلا " قال هشام بن عمار " وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعله جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع اهـ.

ولفظ ابن حزم في " المحلى ": ولم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد.

وحكى ابن الصلاح في موضع آخر أن الذي يقول البخاري فيه قال فلان ويسمي شيخا من شيوخه يكون من قبيل الإسناد المعنعن، وحكي عن بعض الحفاظ أنه يفعل ذلك فيما يتحمله عن شيخه مذاكرة، وعن بعضهم أنه فيما يرويه مناولة.

وقد تعقب شيخنا الحافظ أبو الفضل كلام ابن الصلاح بأنه وجد في الصحيح عدة أحاديث يرويها البخاري عن بعض شيوخه قائلا قال فلان ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ.

قلت: الذي يورده البخاري من ذلك على أنحاء: منها ما يصرح فيه بالسماع عن ذلك الشيخ بعينه إما في نفس الصحيح وإما خارجه، والسبب في الأول إما أن يكون أعاده في عدة أبواب وضاق عليه مخرجه فتصرف فيه حتى لا يعيده على صورة واحدة في مكانين، وفي الثاني أن لا يكون على شرطه إما لقصور في بعض رواته وإما لكونه موقوفا، ومنها ما يورده بواسطة عن ذلك الشيخ والسبب فيه كالأول، لكنه في غالب هذا لا يكون مكثرا عن ذلك الشيخ، ومنها ما لا يورده في مكان آخر من الصحيح مثل حديث الباب، فهذا مما كان أشكل أمره علي، والذي يظهر لي الآن أنه لقصور في سياقه، وهو هنا تردد هشام في اسم الصحابي، وسيأتي من كلامه ما يشير إلى ذلك حيث يقول: إن المحفوظ أنه عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك، وساقه في " التاريخ " من رواية مالك بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن غنم كذلك، وقد أشار المهلب إلى شيء من ذلك.

وأما كونه سمعه من هشام بلا واسطة وبواسطة فلا أثر له، لأنه لا يجزم إلا بما يصلح للقبول، ولا سيما حيث يسوقه مساق الاحتجاج.

وأما قول ابن الصلاح أن الذي يورده بصيغة " قال " حكمه حكم الإسناد المعنعن، والعنعنة من غير المدلس محمولة على الاتصال، وليس البخاري مدلسا، فيكون متصلا، فهو بحث وافقه عليه ابن منده والتزمه فقال: أخرج البخاري " قال " وهو تدليس، وتعقبه شيخنا بأن أحدا لم يصف البخاري بالتدليس، والذي يظهر لي أن مراد ابن منده أن صورته صورة التدليس لأنه يورده بالصيغة المحتملة ويوجد بينه وبينه واسطة وهذا هو التدليس بعينه، لكن الشأن في تسليم أن هذه الصيغة من غير المدلس لها حكم العنعنة فقد قال الخطيب: وهو المرجوع إليه في الفن أن " قال " لا تحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015