يأتي بها في موضع السماع، مثل حجاج بن محمد الأعور، فعلى هذا ففارقت العنعنة فلا تعطى حكمها ولا يترتب عليه أثرها من التدليس ولا سيما ممن عرف من عادته أن يوردها لغرض غير التدليس، وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحا إلى من علق عنه ولو لم يكن من شيوخه، لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا إلى من علقه بشرط الصحة أزال الإشكال، ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع وصنفت كتاب " تعليق التعليق ".
وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولا في " مستخرج الإسماعيلي " قال حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن عمار، وأخرجه الطبراني في " مسند الشاميين " فقال حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد حدثنا هشام بن عمار، قال وأخرجه أبو داود في سننه فقال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بسنده انتهى.
وننبه فيه على موضعين: أحدهما: أن الطبراني أخرج الحديث في معجمه الكبير عن موسى بن سهل الجويني وعن جعفر بن محمد الفريابي كلاهما عن هشام، والمعجم الكبير أشهر من مسند الشاميين فعزوه إليه أولى، وأيضا فقد أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على البخاري من رواية عبدان بن محمد المروزي ومن رواية أبي بكر الباغندي كلاهما عن هشام، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن الحسين بن عبد الله القطان عن هشام.
ثانيهما: قوله: إن أبا داود أخرجه يوهم أنه عند أبي داود باللفظ الذي وقع فيه النزاع وهو المعازف، وليس كذلك بل لم يذكر فيه الخمر الذي وقعت ترجمة البخاري لأجله فإن لفظه عند أبي داود بالسند المذكور إلى عبد الرحمن بن يزيد " حدثنا عطية بن قيس سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري يقول حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني أنه سمع رسول الله يقول: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر - وذكر كلاما قال - يمسخ منهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة " نعم ساق الإسماعيلي الحديث من هذا الوجه من رواية دحيم عن بشر بن بكر بهذا الإسناد فقال: " يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف " الحديث.
قوله: (حدثنا صدقة بن خالد) هو الدمشقي من موالي آل أبي سفيان، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وآخر تقدم في مناقب أبي بكر، وهو من رواية هشام بن عمار عنه أيضا عن زيد بن واقد وصدقة هذا ثقة عند الجميع، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه، ثقة ابن ثقة ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم.
وذهل شيخنا ابن الملقن تبعا لغيره فقال: ليته - يعني ابن حزم - أعل الحديث بصدقة فإن ابن الجنيد روى عن يحيى بن معين: ليس بشيء، وروى المروزي عن أحمد: ذلك ليس بمستقيم ولم يرضه.
وهذا الذي قاله الشيخ خطأ، وإنما قال يحيى وأحمد ذلك في صدقة بن عبد الله السمين وهو أقدم من صدقة بن خالد، وقد شاركه في كونه دمشقيا، وفي الرواية عن بعض شيوخه كزيد بن واقد، وأما صدقة بن خالد فقد قدمت قول أحمد فيه، وأما ابن معين فالمنقول عنه أنه قال: كان صدقة بن خالد أحب إلى أبي مسهر من الوليد بن مسلم، قال وهو أحب إلي من يحيى بن حمزة.
ونقل معاوية بن صالح عن ابن معين أن صدقة بن خالد ثقة، ثم إن صدقة لم ينفرد به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بل تابعه على أصله بشر بن بكر كما تقدم.
قوله: (حدثنا عطية بن قيس) هو شامي تابعي قواه أبو حاتم وغيره ومات سنة عشر ومائة وقيل: بعد ذلك، ليس له في البخاري ولا لشيخه إلا هذا الحديث، والإسناد كله شاميون.
قوله: (عبد الرحمن بن غنم) بفتح المعجمة وسكون النون ابن كريب بن هانئ مختلف في صحبته، قال ابن سعد: كان أبوه ممن قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة أبي موسى، وذكر ابن يونس أن عبد الرحمن كان مع أبيه حين وفد، وأما أبو زرعة الدمشقي وغيره من حفاظ الشام فقالوا: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، وقدمه دحيم على الصنابحي.
وقال ابن سعد أيضا: بعثه عمر يفقه أهل الشام، ووثقه العجلي وآخرون.
ومات سنة ثمان وسبعين.
¥