وَقَالَ أبو داود: ((كَانَ عَبْد الرحمان بن مهدي لا يحدّث بهذا الْحَدِيْث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مسح عَلَى الخفين)) (28).
وَقَالَ ابن المبارك: ((عرضت هَذَا الْحَدِيْث – يعني حَدِيْث المغيرة من رِوَايَة أبي قيس – عَلَى الثوري فَقَالَ: لَمْ يجئ بِهِ غَيْره، فعسى أن يَكُوْن وهماً)) (29).
وذكر البيهقي حَدِيْث المغيرة هَذَا وَقَالَ: ((إنه حَدِيْث منكر ضعّفه سفيان الثوري، وعبد الرحمان بن مهدي، وأحمد بن حَنْبَل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حَدِيْث المسح عَلَى الخفين)) (30).
قَالَ الإمام النووي: ((وهؤلاء هم أعلام أئمة الْحَدِيْث وإن كَانَ الترمذي قَالَ: حَدِيْث حسن [صَحِيْح] فهؤلاء مقدمون عَلَيْهِ، بَلْ كُلّ واحد من هؤلاء لَوْ انفرد قدم عَلَى الترمذي باتفاق أهل الْمَعْرِفَة)) (31).
وَقَالَ المباركفوري: ((أكثر الأئمة من أهل الْحَدِيْث حكموا عَلَى هَذَا الْحَدِيْث بأنه ضعيف)) (32).
فحكم نقاد الْحَدِيْث وجهابذة هَذَا الفن عَلَى هَذَا الْحَدِيْث بالرد لتفرد أبي قيس بِهِ لَمْ يَكُنْ أمراً اعتباطياً، وإنما هُوَ نتيجة عن النظر الثاقب والبحث الدقيق والموازنة التامة بَيْنَ الطرق والروايات؛ إِذْ إن هَذَا الْحَدِيْث قَدْ رَوَاهُ الجم الغفير عن المغيرة بن شعبة، وذكروا المسح عَلَى الخفين، وهم:
1. أبو إدريس (33) الخولاني (34).
2. الأسود (35) بن هلال (36).
3. أبو أمامة (37) الباهلي (38).
4. بشر (39) بن قحيف (40).
5. بكر (41) بن عَبْد الله المزني (42).
6. جبير (43) بن حية الثقفي (44).
7. الحسن البصري (45).
8. حمزة (46) بن المغيرة بن شعبة (47).
9. زرارة (48) بن أوفى (49).
10. الزهري (50).
11. زياد (51) بن علاقة (52).
12. أبو السائب (53)، مولى هشام بن زهرة (54).
13. سالم (55) بن أبي الجعد (56).
14. سعد (57) بن عبيدة (58).
15. أبو سفيان (59): طلحة بن نافع (60).
16. أبو سلمة (61).
17. أبو الضحى (62) مُسْلِم بن صبيح (63).
18. عامر بن شراحيل الشعبي (64).
19. عباد (65) بن زياد (66).
20. عَبْد الرحمان (67) بن أبي نُعْم (68).
21. عروة (69) بن المغيرة بن شعبة (70).
22. عروة بن الزبير (71).
23. علي (72) بن ربيعة الوالِبي (73).
24. عمرو (74) بن وهب الثقفي (75).
25. فضالة (76) بن عمير، أو عبيد الزهراني (77).
26. قَبِيصة (78) بن بُرْمة (79).
27. قتادة بن دعامة (80).
28. مُحَمَّد بن سيرين (81).
29. مسروق (82) بن الأجدع (83).
30. هزيل بن شرحبيل (84).
31. أَبُو (85) وائل (86).
32. وَرّاد (87): كاتب المغيرة (88).
33. وغيرهم (89).
أقول: إن اجتماع هَذِهِ الكثرة الكاثرة عَلَى خلاف حَدِيْث أبي قيس ريبةٌ قويةٌ تجعل الناقد يجزم بخطأ أبي قيس؛ فعلى هَذَا فإن رِوَايَة أبي قيس معلولة بتفرده الشديد. قَالَ المباركفوري: ((الناس كلهم رووا عن المغيرة بلفظ: ((مسح عَلَى الخفين)) وأبو قيس يخالفهم جميعاً)) (90).
وَقَدْ تكلف الشيخ أحمد شاكر فذكر إنهما واقعتان (91)، وَهُوَ بعيد إِذْ إنهما لَوْ كانا واقعتين لرواه جمع عن المغيرة كَمَا روي عَنْهُ المسح عَلَى الخفين.
ومما يقوي الجزم بإعلال حَدِيْث أبي قيس بالتفرد أنه لَمْ يرد مرفوعاً بأحاديث توازي أحاديث المسح عَلَى الخفين، فسيأتي إنه لَمْ يرد إلا من حَدِيْث أبي موسى وثوبان وبلال، وفي كُلّ واحد مِنْهَا مقال. أما أحاديث المسح عَلَى الخفين فهو متواتر عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ رَوَاهُ عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أكثر من ستة وستين نفساً ذكرهم الكتاني (92).
وَقَدْ أسند ابن المنذر (93) إلى الحسن البصري قَالَ: ((حَدَّثَنِي سبعون من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام: مسح عَلَى الخفين)).
.............................. ..... .............................
¥