ولو سلم; فيحتمل أن يكون من جهة فتح باب الاجتهاد، وأن مسائل الاجتهاد قد جعل الله فيها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد لا غير ذلك، قال القاضي إسماعيل: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا، قال ابن عبد البر: كلام إسماعيل هذا حسن جدا.
وأيضا; فإن قول من قال: إن اختلافهم رحمة، يوافق ما تقدم، وذلك [ص: 76] لأنه قد ثبت أن الشريعة لا اختلاف فيها، وإنما جاءت حاكمة بين المختلفين، وقد ذمت المختلفين فيها، وفي غيرها من متعلقات الدين; فكان ذلك عندهم عاما في الأصول والفروع، حسبما اقتضته الظواهر المتضافرة والأدلة القاطعة، فلما جاءتهم مواضع الاشتباه وكلوا ما لم يتعلق به عمل إلى عالمه على مقتضى قوله: والراسخون في العلم يقولون آمنا به [آل عمران: 7] ولم يكن لهم بد من النظر في متعلقات الأعمال; لأن الشريعة قد كملت، فلا يمكن خلو الوقائع عن أحكام الشريعة فتحروا أقرب الوجوه عندهم إلى أنه المقصود الشرعي، والفطر والأنظار تختلف; فوقع الاختلاف من هنا لا من جهة أنه من مقصود الشارع، فلو فرض أن الصحابة لم ينظروا في هذه المشتبهات الفرعية ولم يتكلموا فيها - وهم القدوة في فهم الشريعة والجري على مقاصدها - لم يكن لمن بعدهم أن يفتح ذلك الباب للأدلة الدالة على ذم الاختلاف، وأن الشريعة لا اختلاف فيها، ومواضع الاشتباه مظان الاختلاف في إصابة الحق فيها; فكان المجال يضيق على من بعد الصحابة; فلما اجتهدوا ونشأ من اجتهادهم في تحري الصواب الاختلاف سهل على من بعدهم سلوك الطريق; فلذلك والله أعلم قال عمر بن عبد العزيز: وما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم. وقال: ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا.
وأما اختلاف العلماء بالنسبة إلى المقلدين فكذلك أيضا لا فرق بين مصادفة المجتهد الدليل، ومصادفة العامي المفتي; فتعارض الفتويين عليه كتعارض الدليلين على المجتهد، فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معا، ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد، ولا ترجيح، كذلك لا يجوز [ص: 77] للعامي اتباع المفتيين معا، ولا أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح.
وقول من قال: إذا تعارضا عليه تخير، غير صحيح من وجهين:
أحدهما: أن هذا قول بجواز تعارض الدليل في نفس الأمر، وقد مر ما فيه آنفا.
والثاني: ما تقدم من الأصل الشرعي، وهو أن فائدة وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، وتخييره بين القولين نقض لذلك الأصل، وهو غير جائز; فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة وعلى مصلحة كلية في الجملة، أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته [ص: 78] وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته; اعتقادا، وقولا، وعملا; فلا يكون متبعا لهواه كالبهيمة المسيبة حتى يرتاض بلجام الشرع، ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة، فلا يصح القول بالتخيير على حال، وانظر في الكتاب " المستظهري " للغزالي; فثبت أنه لا اختلاف في أصل الشريعة، ولا هي موضوعة على كون وجود الخلاف فيها أصلا يرجع إليه مقصودا من الشارع، بل ذلك الخلاف راجع إلى أنظار المكلفين، وإلى ما يتعلق بهم من الابتلاء، وصح أن نفي الاختلاف في الشريعة، وذمه على الإطلاق والعموم في أصولها وفروعها; إذ لو صح فيها وضع فرع واحد على قصد الاختلاف; لصح فيها وجود الاختلاف على الإطلاق; لأنه إذا صح اختلاف ما صح كل الاختلاف، وذلك معلوم البطلان; فما أدى إليه مثله.
[ص: 79] فصل
¥