أما مسألة المتشابهات; فلا يصح أن يدعى فيها أنها موضوعة في الشريعة قصد الاختلاف شرعا; لأن هذا قد تقدم في الأدلة السابقة ما يدل على فساده، وكونها قد وضعت ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة [الأنفال: 42] لا نظر فيه; فقد قال تعالى: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم [هود: 118] [ص: 70] ففرق بين الوضع القدري الذي لا حجة فيه للعبد - وهو الموضوع على وفق الإرادة التي لا مرد لها - وبين الوضع الشرعي الذي لا يستلزم وفق الإرادة، وقد قال تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2] وقال: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا [البقرة: 26] ومر بيانه في كتاب الأوامر; فمسألة المتشابهات من الثاني لا من [ص: 71] الأول، وإذا كان كذلك لم يدل على وضع الاختلاف شرعا، بل وضعها للابتلاء فيعمل الراسخون على وفق ما أخبر الله عنهم، ويقع الزائغون في اتباع أهوائهم، ومعلوم أن الراسخين هم المصيبون، وإنما أخبر عنهم أنهم على مذهب واحد في الإيمان بالمتشابهات علموها أو لم يعلموها، وأن الزائغين هم المخطئون; فليس في المسألة إلا أمر واحد لا أمران، ولا ثلاثة، فإذا لم يكن إنزال المتشابه علما للاختلاف، ولا أصلا فيه.
وأيضا لو كان كذلك لم ينقسم المختلفون فيه إلى مصيب ومخطئ، بل كان يكون الجميع مصيبين; لأنهم لم يخرجوا عن قصد الواضع للشريعة; لأنه قد تقدم أن الإصابة إنما هي بموافقة قصد الشارع، وأن الخطأ بمخالفته، فلما كانوا منقسمين إلى مصيب ومخطئ دل على أن الموضع ليس بموضع اختلاف شرعا.
وأما مواضع الاجتهاد فهي راجعة إلى نمط التشابه; لأنها دائرة بين [ص: 72] طرفي نفي وإثبات شرعيين; فقد يخفى هنالك وجه الصواب من وجه الخطأ.
وعلى كل تقدير إن قيل بأن المصيب واحد; فقد شهد أرباب هذا القول بأن الموضع ليس مجال الاختلاف، ولا هو حجة من حجج الاختلاف، بل هو مجال استفراغ الوسع، وإبلاغ الجهد في طلب مقصد الشارع المتحد; فهذه الطائفة على وفق الأدلة المقررة أولا، وإن قيل: إن الكل مصيبون; فليس على الإطلاق، بل بالنسبة إلى كل مجتهد أو من قلده لاتفاقهم على أن كل مجتهد لا يجوز له الرجوع عما أداه إليه اجتهاده، ولا الفتوى إلا به; لأن الإصابة [ص: 73] عندهم إضافية لا حقيقية، فلو كان الاختلاف سائغا على الإطلاق; لكان فيه حجة، وليس كذلك.
فالحاصل أنه لا يسوغ على هذا الرأي إلا قول واحد، غير أنه إضافي; فلم يثبت به اختلاف مقرر على حال، وإنما الجميع محومون على قول واحد هو قصد الشارع عند المجتهد، لا قولان مقرران; فلم يظهر إذا من قصد الشارع وضع أصل للاختلاف، بل وضع موضع للاجتهاد في التحويم على إصابة قصد الشارع الذي هو واحد ومن هناك لا تجد مجتهدا يثبت لنفسه قولين معا أصلا، وإنما يثبت قولا واحدا وينفي ما عداه.
وقد مر جواب مسألة التصويب والتخطئة.
وأما تجويز أن يأتي دليلان متعارضان; فإن أراد الذاهبون إلى ذلك التعارض في الظاهر، وفي أنظار المجتهدين لا في نفس الأمر فالأمر على ما قالوه جائز ولكن لا يقضي ذلك بجواز التعارض في أدلة الشريعة، وإن أرادوا تجويز [ص: 74] ذلك في نفس الأمر; فهذا لا ينتحله من يفهم الشريعة لورود ما تقدم من الأدلة عليه، ولا أظن أن أحدا منهم يقوله.
وأما مسألة قول الصحابي، فلا دليل فيه لأمرين:
أحدهما: أن ذلك من قبيل الظنيات إن سلم صحة الحديث، على أنه مطعون في سنده، ومسألتنا قطعية، ولا يعارض الظن القطع.
والثاني على تسليم ذلك فالمراد أنه حجة على انفراد كل واحد منهم أي أن من استند إلى قول أحدهم; فمصيب من حيث قلد أحد المجتهدين، لا أن كل واحد منهم حجة في نفس الأمر بالنسبة إلى كل واحد; [ص: 75] فإن هذا مناقض لما تقدم.
وأما قول من قال: إن اختلافهم رحمة وسعة; فقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة، وإنما الحق في واحد، قيل له: فمن يقول إن كل مجتهد مصيب؟ فقال: هذا لا يكون (هكذا لا يكون) قولان مختلفين صوابين.
¥