والرابع أن الأصوليين اتفقوا على إثبات الترجيح بين الأدلة المتعارضة إذا لم يمكن الجمع، وأنه لا يصح إعمال أحد دليلين متعارضين جزافا من غير [ص: 64] نظر في ترجيحه على الآخر، والقول بثبوت الخلاف في الشريعة يرفع باب الترجيح جملة; إذ لا فائدة فيه، ولا حاجة إليه على فرض ثبوت الخلاف أصلا شرعيا لصحة وقوع التعارض في الشريعة لكن ذلك فاسد; فما أدى إليه مثله.

والخامس: أنه شيء لا يتصور; لأن الدليلين المتعارضين إذا قصدهما الشارع مثلا لم يتحصل مقصوده; لأنه إذا قال في الشيء الواحد: " افعل " " لا تفعل " ; فلا يمكن أن يكون المفهوم منه طلب الفعل لقوله " لا تفعل "، ولا طلب تركه لقوله " افعل "، فلا يتحصل للمكلف فهم التكليف، فلا يتصور توجهه على حال، والأدلة على ذلك كثيرة لا يحتاج فيها إلى التطويل لفساد الاختلاف في الشريعة.

[ص: 65] فإن قيل: إن كان ثم ما يدل على رفع الاختلاف فثم ما يقتضي وقوعه في الشريعة، وقد وقع، والدليل عليه أمور:

- منها: إنزال المتشابهات; فإنها مجال للاختلاف لتباين الأنظار، واختلاف الآراء والمدارك، هذا وإن كان التوقف فيها هو المحمود; فإن الاختلاف فيها قد وقع، ووضع الشارع لها مقصود له، وإذا كان مقصودا له، وهو عالم بالمآلات; فقد جعل سبيلا إلى الاختلاف، فلا يصح أن ينفى عن الشارع رفع مجال الاختلاف جملة.

- ومنها: الأمور الاجتهادية التي جعل الشارع فيها للاختلاف مجالا; فكثيرا ما تتوارد على المسألة الواحدة أدلة قياسية وغير قياسية، بحيث يظهر بينها التعارض، ومجال الاجتهاد مما قصده الشارع في وضع الشريعة حين شرع القياس ووضع الظواهر التي يختلف في أمثالها النظار ليجتهدوا فيثابوا على ذلك، ولذلك نبه في الحديث على هذا المقصد بقوله عليه الصلاة والسلام: [ص: 66] إذا اجتهد الحاكم فأخطأ; فله أجر، وإن أصاب; فله أجران فهذا موضع آخر من وضع الخلاف بسبب وضع محاله.

- ومنها: أن العلماء الراسخين والأئمة المتقين اختلفوا: هل كل مجتهد مصيب، أم المصيب واحد؟ والجميع سوغوا هذا الاختلاف، وهو دليل على أن له مساغا في الشريعة على الجملة.

وأيضا فالقائلون بالتصويب معنى كلامهم أن كل قول صواب، وأن الاختلاف حق، وأنه غير منكر، ولا محظور في الشريعة.

[ص: 67] وأيضا فطائفة من العلماء جوزوا أن يأتي في الشريعة دليلان متعارضان وتجويز ذلك عندهم مستند إلى أصل شرعي في الاختلاف.

وطائفة أيضا رأوا أن قول الصحابي حجة; فكل قول صحابي وإن عارضه قول صحابي آخر كل واحد منهما حجة، وللمكلف في كل واحد منهما متمسك، وقد نقل هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " فأجاز جماعة الأخذ بقول من شاء منهم إذا اختلفوا.

وقال القاسم بن محمد: لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرا منه قد عمله.

وعنه أيضا: " أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء " [ص: 68] ومثل معناه مروي عن عمر بن عبد العزيز، قال: ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم، قال القاسم: " لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا; لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم; فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة.

وقال بمثل ذلك جماعة من العلماء.

وأيضا; فإن أقوال العلماء بالنسبة إلى العامة كالأدلة بالنسبة إلى المجتهدين، ويجوز لكل واحد على قول جماعة أن يقلد من العلماء من شاء، وهو من ذلك في سعة، وقد قال ابن الطيب وغيره في الأدلة إذا تعارضت على المجتهد واقتضى كل واحد ضد حكم الآخر ولم يكن ثم ترجيح ; فله [ص: 69] الخيرة في العمل بأيها شاء; لأنهما صارا بالنسبة إليه كخصال الكفارة، والاختلاف عند العلماء لا ينشأ إلا من تعارض الأدلة; فقد ثبت إذا في الشريعة تعارض الأدلة; إلا أن ما تقدم من الأدلة على منع الاختلاف يحمل على الاختلاف في أصل الدين لا في فروعه، بدليل وقوعه في الفروع من لدن زمان الصحابة إلى زماننا.

فالجواب: أن هذه القواعد المعترض بها يجب أن يحقق النظر فيها بحسب هذه المسألة; فإنها من المواضع المخيلة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015