([ص: 59] المسألة الثالثة:

الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك، والدليل عليه أمور:

أحدها: أدلة القرآن، من ذلك قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] فنفى أن يقع فيه الاختلاف البتة، [ص: 60] ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين لم يصدق عليه هذا الكلام على حال.

وفي القرآن: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول الآية [النساء: 59]، وهذه الآية صريحة في رفع التنازع والاختلاف; فإنه رد المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلا شيء واحد; إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف لم يكن في الرجوع إليه رفع تنازع، وهذا باطل.

وقال تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات الآية [آل عمران: 105]، والبينات هي الشريعة، فلولا أنها لا تقتضي الاختلاف، ولا تقبله البتة لما قيل لهم: من بعد كذا، ولكان لهم فيها أبلغ العذر، وهذا غير صحيح; فالشريعة لا اختلاف فيها.

وقال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] فبين أن طريق الحق واحد، وذلك عام في [ص: 61] جملة الشريعة وتفاصيلها.

وقال تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه [البقرة: 213] ولا يكون حاكما بينهم إلا مع كونه قولا واحدا فصلا بين المختلفين.

وقال: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا. . . الآية إلى قوله ولا تتفرقوا فيه [الشورى: 13] ثم ذكر بني إسرائيل وحذر الأمة أن يأخذوا بسنتهم فقال: وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم [الشورى: 14].

وقال تعالى: ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد [البقرة: 176].

والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع إلى الشريعة كثير كله قاطع في أنها لا اختلاف فيها، وإنما هي على مأخذ واحد وقول واحد، قال المزني صاحب الشافعي: ذم الله الاختلاف، وأمر عنده بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فلو كان الاختلاف من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما أمرهم بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة.

والثاني: أن عامة أهل الشريعة أثبتوا في القرآن والسنة الناسخ [ص: 62] والمنسوخ على الجملة، وحذروا من الجهل به والخطأ فيه، ومعلوم أن الناسخ والمنسوخ إنما هو فيما بين دليلين يتعارضان بحيث لا يصح اجتماعهما بحال، وإلا لما كان أحدهما ناسخا والآخر منسوخا، والفرض خلافه; فلو كان الاختلاف من الدين لما كان لإثبات الناسخ والمنسوخ - من غير نص قاطع فيه - فائدة ولكان الكلام في ذلك كلاما فيما لا يجني ثمرة، إذ كان يصح العمل بكل واحد منهما ابتداء ودواما استنادا إلى أن الاختلاف أصل من أصول الدين، لكن هذا كله باطل بإجماع; فدل على أن الاختلاف لا أصل له في الشريعة، وهكذا القول في كل دليل مع معارضه كالعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، وما أشبه ذلك فكانت تنخرم هذه الأصول كلها، وذلك فاسد; فما أدى إليه مثله.

والثالث أنه لو كان في الشريعة مساغ للخلاف لأدى إلى تكليف ما لا يطاق; لأن الدليلين إذا فرضنا تعارضهما وفرضناهما مقصودين معا للشارع; فإما أن يقال: إن المكلف مطلوب بمقتضاهما أو لا، أو مطلوب بأحدهما دون الآخر، والجميع غير صحيح; فالأول يقتضي " افعل "، " لا تفعل " لمكلف واحد [ص: 63] من وجه واحد، وهو عين التكليف بما لا يطاق، والثاني باطل; لأنه خلاف الفرض، وكذلك الثالث; إذ كان الفرض توجه الطلب بهما; فلم يبق إلا الأول فيلزم منه ما تقدم.

لا يقال إن الدليلين بحسب شخصين أو حالين; لأنه خلاف الفرض، وهو أيضا قول واحد لا قولان; لأنه إذا انصرف كل دليل إلى جهة لم يكن ثم اختلاف، وهو المطلوب.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015