وهذا ما يعنيه الاستثناء في قولنا نحن المؤمنين: "لا إله إلا الله" لأن المعنى نفي استحقاق العبادة عن جميع الآلهة وإثباتها لله وحده، أي لا معبود بحق إلا الله، لأنه الخالق الرازق {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} 125، وهو سبحانه موصوف بجميع الكمالات، ومنزه عن جميع النقائص فعيادة غيره معه أو دونه تعتبر تنقصاً له سبحانه، لأن في ذلك تشبيه المخلوق الضعيف العاجز بالخالق القادر على كل شيء القوي المتين الغني عن كل شيء، الغني وصف ذاتي له سبحانه. كما أن الفقر والعجز والضعف أوصاف ذاتية للمخلوق.

من هنا تعلم وجه خطأ أولئك الذين يفسرون كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بـ"لا خالق إلا الله" أو رازق أو شبه ذلك من معاني الربوبية التي لم يختلف فيها أحد من بني آدم عبر التاريخ الطويل.

والتفريق بين توحيد العبادة الذي دلت عليه كلمة التوحيد، وبين توحيد الربوبية الذي لم يقع فيه نزاع كما تقدم أمر ضروري، وتوحيد الربوبية إنما يبحث ليستدل به على توحيد العبادة الذي عجز عن تحقيقه كثير من الناس في هذا العصر، واختلط عليهم الأمر، والله المستعان.

فالتفسير المشار إليه مخالف للغة العربية التي نزل بها القرآن كما ترى، فلا يلتفت إليه لأنه يتضمن تجاهل حقيقة التوحيد الذي طبقت عليه دعوة الرسل جميعاً والذي اصطدموا من أجله مع أقوامهم وهو توحيد العبادة أي إفراد الله بالعبادة كما انفرد بالربوبية سبحانه.

يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله: "اسم "الله" دال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى بالدلالات الثلاث:

أ- فإنه دال على الإلهية المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له سبحانه مع نفي أضدادها عنه تعالى، وصفات الإلهية هي صفات الكمال المنزه عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تعالى الأسماء الحسنى إلى هذا "الاسم العظيم" كقوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} 126، ويقال: الرحمن الرحيم، القدوس، والسلام، والعزيز، والحكيم، من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك.

ب- فعلم أن اسم "الله" مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى دال عليها بالإجمال. والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله.

جـ- واسم "الله" دال على كونه مألوهاً، معبوداً، تألهُهُ الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً إليه من الحوائج والنوائب وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته المتضمنتين لكمال الملك والحمد127.

وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم الجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله.

وصفات الجلال والجمال أخص باسم "الله" وصفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة، وكمال القوة وتدبير أمر الخليقة أخص باسم "الرب" وصفات الإحسان والجود والبر والحنان، والمنة والرأفة واللطف أخص باسم "الرحمن""128 اهـ.

وكلام الحافظ ابن القيم غني عن التعليق لوضوحه في بيان العلاقة أو النسبة بين الربوبية والإلهية. وقال رحمه الله في موضع آخر في كتابه مدارج السالكين: "إن توحيد الربوبية باب لتوحيد الإلهية، فإن أول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية كما يدعو الله عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر، ويحتج به عليهم، ويقررهم به ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية، وفي هذا المشهد يتحقق مقام: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، يقول الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} "129.

هذا، وإن توحيد الربوبية محل إجماع البشر، ولا فرق بين مؤمنهم وكافرهم، بل كلهم يؤمنون بربوبيته، وإن أشرك من أشرك في عبادته.

وأما الصراخ المنكر والقول الهجين الذي سمعته الدنيا لأول مرة في الآونة الأخيرة130، والذي ينادي بكل وقاحة، بإنكار وجود الله تعالى مكابرة، وأنه ليس هو الذي خلق هذا الكون، وأن الدين إنما يقصد به تخدير الشعوب إلى آخر تلك المغالطة، فإنها تهدف إلى تضليل متعمد إذ لا مستند له من العقل والفطرة السلمية بله الشرع، ولا أرى مناقشته هنا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015