وإذا ثبت هذا فقوله في ذات الله أو في ذات الإله إنما يريد في الديانة والشريعة التي هي ذات الإله، فذات وصف للديانة، وكذلك هي في الأصل، موضوعها نعت لمؤنث. ألا ترى فيها تاء التأنيث وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله تعالى عز وجل، لا عن نفسه سبحانه، وهذا هو المفهوم من كلام العرب، ألا ترى إلى قول النابغة:

يجلهم ذات الإله ودينهم

فقد بان غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيف إليه"اهـ كلام السهيلي.

وقال الحافظ ابن القيم معلقاً على هذا الكلام ومستحسناً: "وهذا من كلامه من المرقصات فإنه أحسن فيه ما شاء".

وأصل هذه اللفظة هو تأنيث "ذو" بمعنى صاحب، فذات كذا صاحبة كذا في الأصل. ولهذا لا يقال ذات الشيء إلا لما له صفات ونعوت تضاف إليه فكأنه يقول: صاحبة هذه الصفات والنعوت، ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن "هان" وغيره على الأصوليين قولهم "الذات"، وقالوا: لا مدخل للألف واللام هنا كما لا يقال "الذو" في "ذو" وهذا إنكار صحيح، والاعتذار عنهم أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن نفس الشيء وحقيقته وعينه، فلما استعملوها استعمال النفس والحقيقة عرفوها باللام وجردوها، ومن هنا غلطهم السهيلي. فإن الاستعمال، والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي، فإن العرب لا تكاد تقول رأيت الشيء لعينه ونفسه، وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب ومن جهته. وهذا كجنب الشيء. إذا قالوا: هذا في جنب الله لا يريدون إلا فيما ينسب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته لا يريدون غير هذا البتة. فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة، ظن من ظن أن هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: "ثلاث كذبات في ذات الله" وقول خبيب رضي الله عنه: "وذلك في ذات الإله"، فغلط واستحق التغليط، بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} 119، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال هاهنا: فرطت في نفس الله وحقيقته. ويحسن أن يقال: فرطت في ذات الله كما يقال: فعل كذا في ذات الله، وقتل في ذات الله، وصبر في ذات الله، فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها الخناصراهـ120.

الفصل الأول: معنى الإلهية لغة وشرعاً

قال أهل اللغة: إن "إله" فعال بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، وإمام بمعنى مؤتم به، فيكون معناه "معبود" ويقال: "أَلَه" يألَهُ بالفتح فيهما "إلهةً" أي عبادة وفيه قراءة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما {ويذرك وإلاهتك} بكسر الهمزة أي عبادتك. وكان يقول: إن فرعون كان "يعبد" ومنه قولهم "الله" أصله "إلاه" على فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود، فلما دخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرته في الكلام و"إلاَهَةُ" اسم للشمس غير مصروف بلا ألف ولام، وربما صرفوه وأدخلوا عليه الألف واللام، فقالوا: "الإلاَهَةُ" كأنهم سموها "الإلاَهَةَ" لتعظيمهم لها وعبادتهم إياها، ومنه بيت لِمَّية بنت عتبة بن الحارث:

تروحنا من اللعباء قسرا

فأعجلنا الإلاَهَةَ أن تؤويا

على مثل ابن أمية فانْعَياه

تشقُّ نواعِمُ البشر الجُيوبا121

الآلهة الأصنام سموها بذلك لاعتقادهم أن العبادة مستحقة لها وأسماؤهم تتبع اعتقادهم لا ما عليه الشيء في نفسه "التأله" التنسك والتعبد، تقول: "أَلَهَ" أي تحير وبابه "طَرَبَ" وأصله وَلَه يَوْله وَلَهَا122 ا. هـ ويقال: أله بالمكان كفرح إذا أقام، ومنه قول الشاعر:

أَلِهْنا بدار تبين رسومها

كأن بقاياها وشوم على اليد123

والإله ينطلق على المعبود بحق وباطل وأما "الله" لا ينطلق إلا على المعبود بالحق124 اهـ.

وهذه المعاني اللغوية تلتقي كلها عند الآتي:

إن لفظة "إله" مأخوذة من التأله، وهو التعبد وجمعه آلهة "وإله والآلهة" ينطلقان على كل ما عُبد بأي نوع من أنواع العبادات ولو كان المعبود جماداً.

وأما لفظ الجلالة "الله" فلا ينطلق إلا على المعبود بالحق، وهو خالق السماوات والأرض، ومدبر الأمر فيهما سبحانه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015