ـ[أحمد الأقطش]ــــــــ[18 - Mar-2009, مساء 05:12]ـ
أن قرائن هذا الحديث بحسب الطرق التي رأيتها له كلها شاهدة أنه لم يقله أبو هريرة رضي الله عنه من نفسه، دليل ذلك: أنه لم أكثر الطرق الموقوفة إن لم يكن كلها قد صرح في آخرها بأن القائل للحديث بالجملة ابتداء هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رواه من التابعين عن أبي هريرة لم يروه كاملا عنه لجميع أحداث القصة، بل رواه عنه بأوله ثم نسبت القصة إلى راويها الأصلي وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الرواية.
أما رفعُ الحديث في آخره، فتصرَّف فيه الرواة لأنهم رووه بالمعنى فاختلّ الضبط:
- سفيان عن هشام بن حجير عن طاوس: ((فقال أبو هريرة يرويه قال: لو قال: "إن شاء الله" لم يحنث، وكان دركاً في حاجته)).
- عبد الرزاق عن ابن طاوس عن أبيه: ((فقال رسول الله (ص): لو قال "إن شاء الله" لم يحنث، وكان دركاً لحاجته)).
- المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج: ((فقال النبي (ص): "لو قالها، لجاهدوا في سبيل الله")).
- شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج: ((وايم الذي نفس محمدٍ بيده، لو قال: "إن شاء الله"، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)).
- هشام بن عروة عن أبي الزناد عن الأعرج: ((ولو قال سليمان: "إن شاء الله"، لكان ما قال)).
- الروايات عن ابن سيرين: ((فقال رسول الله (ص): "لو استثنى، لولدت كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل في سبيل الله")).
فهذا مِن تصرُّف الرواة، لأن قوله ((يرويه)) هو مِن كلام الراوي عن أبي هريرة، فرفعه الرواة وقالوا: ((فقال رسول الله)). ثم تصرَّف فيه آخرون فقالوا: ((والذي نفس محمد بيده))، ثم تصرّف فيه هشام بن عروة فأدرج قوله ولم يفصله!
فهذا مِن أغمض ما يكون، ومثاله ما أخرجه البخاري (2410) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((للعبد المملوك الصالح أجران. والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك)). وفي المتن إدراج، إذ فهم الراوي أن قوله (والذي نفسي بيده)) هو من كلامه صلى الله عليه وسلّم، فرفعه. والصحيح أنه من كلام أبي هريرة كما عند مسلم (1665): ((والذي نفس أبي هريرة بيده)).
وعلى نفس المنوال جاء حديث اغتسال موسى وضربه للحجر، فقد أدرج بعض الرواة كلام أبي هريرة في آخر الحديث كما عند البخاري والترمذي وغيرهما. على أن هذا الحديث أيضاً اضطرب الرواة في رفعه ووقفه!
وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه في بعض حديثه يقول بما فهمه من حديث النبي صلى الله عليه وسلَّم في المسألة. كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (195): ((والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفاً)). فهمه من الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم (مسلم 2844): ((هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً. فهو يهوي في النار الآن، حتى انتهى إلى قعرها)).
فهنا في قصة سليمان، استند إلى الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلّم: ((مَن حلَف فقال: "إن شاء الله"، لم يحنث)). فالمرفوع هو حُكم الاستثناء في اليمين، وأما سياقة القصة فموقوفة على أبي هريرة. وجاء على نفس المنوال حديث موسى ومَلَك الموت، فقد أسند أبو هريرة في آخر القصة قول النبي صلى الله عليه وسلّم: ((لو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر)). فالمرفوع مِن الحديث هو موضع قبر موسى، فوهم بعض الرواة ورفعوا القصة نفسها!
لم أر من رجح الوقف في هذا الحديث سواك حفظك الله (وكلك خير وبركة) فلا نطيعك في هذا.
أعزَّك الله .. مَن أنا حتى أطاع .. أستغفر ربي وأتوب إليه! إنما الترجيح مداره غلبة الظن لا أنه مقطوع به. وإنّما نحن مُتَّبِعون لا مقلِّدون. فمَن بانت له عِلّة حديث، نبّه إليها وفسَّرها. ثم تركها مَن تركها، وأخذ بها مَن أخذ بها. وهذا وأضرابه مبثوث في بطون كتب العلل، ولم يُسبَق عدد من العلماء إلى بعض ما ذهبوا إليه.
يتبع إن شاء الله
ـ[أحمد الأقطش]ــــــــ[18 - Mar-2009, مساء 08:28]ـ
تقسيم الأحاديث إلى ما ذكرت من أحاديث أحكام وغيرها، ليس محل اتفاق بين العلماء، فلم يرتضه بعضهم، فمتى ما ثبت الحديث متصلا مسندا تمت شروطه فلا فرق بين أنواعه وأجناسه في كونه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله.
¥