(1) مُرسَل الصحابيّ محكوم له بالاتصال جوازاً لا أصلاً، إذ هو مقيَّد بكونه مأخوذ عن صحابيّ مثله، والصحابة كلهم عدول رضوان الله عليهم أجمعين. وإنما وقع الاستثناء في هذا الحُكم فيما تدخله العلّة مِن كَون الصحابي الذي يروي الحديث معروفٌ عنه أخذه عن أهل الكتاب، سواء كانوا من الصحابة الذين أسلموا على عهده صلى الله عليه وسلّم من أمثال عبد الله بن سلام، أو من التابعين ككعب الأحبار ووهب بن منبه ومَن على شاكلتهما.

وهنا يُحكَم على الحديث لا بقاعدة مطّردة بقبول مراسيل الصحابة مطلقاً، وإنما يدخل الاحتمال في الواسطة بين الصحابي والرسول صلى الله عليه وسلّم: فقد يكون سمعه هذا الصحابي من صحابي مثله، أو يكون سمعه من تابعي. فإنه متى كان هذا الصحابي مِن الآخذين عن أهل الكتاب، توُقِّف في رفع الحديث وجُمعت طرقه، فإن تبيّن وقف الحديث من وجوه أخرى، قَوِي الترجيح واعتلّ المتن.

وقد ذهبت جماعة إلى ردّ مراسيل الصحابة مطلقاً. قال ابن حجر (النكت ص546): ((وحُكي ذلك عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني. وظنّ قوم أنه تفرّد بذلك فاحتجّوا عليه بالإجماع، وليس بجيد لأن القاضي أبا بكر الباقلاني قد صرّح في التقريب بأن المرسَل لا يُقبَل مطلقاً حتى مراسيل الصحابة رضي الله عنهم. لا لأجل الشك في عدالتهم، بل لأجل أنهم قد يروون عن التابعين. قال: إلا أن يخبر عن نفسه بأنه لا يروي إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي، فحينئذ يجب العمل بمرسله)). اهـ

قلتُ: ينضمّ إليه ما أوردتُه آنفاً من قول ابن حجر في فتح الباري (1/ 174) عن الاحتجاج بمراسيل الصحابة: ((وهذا في أحاديث الأحكام دون غيرها، فإن بعض الصحابة ربما حملها عن بعض التابعين مثل كعب الأحبار)). اهـ فهذا تقييد بعد إطلاق وتخصيص بعد تعميم، وهو متوجَّه للصحابة المشهورين بالنقل عن أهل الكتاب، لا لكافة الصحابة، فتأمّل.

(2) وهنا سؤال: كيف يُحكَم بأن هذا الصحابي نقل عن هذا التابعي وليس في طرق هذا الحديث ذكر للتابعي؟ وجوابه أنه يُستعان على ذلك بأمور، منها استشكال المتن بأن يتعارض مع القرآن أو مع صحيح السنة أو مع صريح العقل، ومشابهته للإسرائيليات، مع قرائن تنضمّ إليه. وبمثل هذا صنع البخاري مع حديث خلق التربة الذي أخرجه مسلم، فقد أعلّه في تاريخه الكبير بأن جعله عن كعب لا عن النبي صلى الله عليه وسلّم، مع أنه لم يرد ذِكر كعب في أيّ طريق من طرق هذا الحديث!

يقول ابن كثير (البداية والنهاية 1/ 18): ((قال البخاري في التاريخ: "وقال بعضهم (عن كعب) وهو أصح". يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقاه من كعب الاحبار، فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث. فهذا يحدثه عن صحفه، وهذا يحدثه بما يصدقه عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأكد رفعه بقوله "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي" ثم في متنه غرابة شديدة)). اهـ

وقال أيضاً (البداية والنهاية 8/ 117): ((وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: "أبو هريرة كان يدلس". أي: يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يميز هذا من هذا، ذكره ابن عساكر)). اهـ قلتُ: وفيه أنه رضي الله عنه قد يُحدّث بالحديث لا يُسنده، فيُسنده مَن يرويه عنه، فيختلف الرواة في رفعه ووقفه، كما وقع أيضاً في حديث كذب إبراهيم عليه السلام.

(3) موقوفات الصحابي التي لا تقال من قبيل الرأي لها حُكم الرفع، ولكن هذا أيضاً ليس على إطلاقه. يقول الشيخ مصطفى بن إسماعيل السليماني (إتحاف النبيل 1/ 144): ((واشترطوا مع هذا الأمر: ألاّ يكون هذا الصحابي من المعروفين برواية الإسرائيليات، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب الزاملتين، ومثل أبي هريرة الذي كان يأخذ عن كعب الأحبار، ومثل ابن عباس على بحثٍ في ذلك، وعبد الله بن سلام رضي الله عنهم. فلا يُقبَل منهم الكلام في الأمور الغيبية، لأنهم ربما أخذوه عن بني إسرائيل)). اهـ

ليس كلام الخطيب رحمه الله على إطلاقه أخي العزيز، بل مراده هنا بالحديث المجمع عليه الثابت نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح توفرت شروط صحته، وليس الحديث الضعيف بأنواعه، وإلا أخي الفاضل قد رويت أحاديث لا تحصى كثرة من طريق موقوف وهي ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، كما رويت موصولة أيضا.

بارك الله فيك لم يأتِ ذِكرٌ للحديث الضعيف لا في كلامي ولا في كلام الخطيب البغدادي. وإنما مقصده أن الحديث إذا أطبقت جميع طرقه على رفعه، فهو متفق على إسناده للرسول صلى الله عليه وسلَّم. وأما الحديث المختلف فيه: فُيروى تارة مرفوعاً، وأخرى موقوفاً، فليس من المتفق على إسناده للرسول صلى الله عليه وسلّم. وهذا هو الشاهد لسياق كلامي، أنّ حديث طواف سليمان على نسائه ليس من الصنف المتفق عليه، وإنما من الصنف الذي تعارض فيه الرفع والوقف.

يتبع إن شاء الله

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015