هذا سياق كلام ابن حجر في الفتح (1/ 174) بعد أحاديث معلّقة ساقها البخاري في باب: قول المحدث حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا: ((ومراده من هذه التعاليق: أن الصحابي قال تارة "حدثنا" وتارة "سمعت"، فدلّ على أنهم لم يفرقوا بين الصيغ. وأما أحاديث ابن عباس وأنس وأبي هريرة في رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، فقد وصلها في كتاب التوحيد. وأراد بذكرها هنا التنبيه على العنعنة، وأن حُكمها الوصل عند ثبوت اللقيّ. وأشار على ما ذكره ابن رشيد إلى أن رواية النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي عن ربه، سواء صرّح الصحابيّ بذلك أم لا. ويدلّ له حديث ابن عباس المذكور، فإنه لم يقل فيه في بعض المواضع "عن ربه"، ولكنه اختصار فيُحتاج إلى تقدير.

قلتُ: ويُستفاد مِن الحُكم بصحّة ما كان ذلك سبيله صحّة الاحتجاج بمراسيل الصحابة، لأن الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ربه - فيما لم يكلمه به ليلة الإسراء - جبريلُ وهو مقبول قطعاً، والواسطة بين الصحابي وبين النبي صلى الله عليه وسلّم مقبول اتفاقاً وهو صحابي آخر. وهذا في أحاديث الأحكام دون غيرها، فإن بعض الصحابة ربما حملها عن بعض التابعين، مثل كعب الأحبار)). اهـ

ومقصد ابن حجر أن الصحابي إذا أرسل في أحاديث الأحكام، احتُجَّ بمرسله لأن الواسطة معلوم وهو صحابي مثله. أما في ما دون ذلك، فاحتمال كون الواسطة من التابعين قائم، لا سيما إذا كان الحديث من قصص بني إسرائيل لأن هذا هو الغالب على رواية الصحابة عن التابعين.

لا يمنع أن يكون الحديث من قصص الأمم السابقة أن يكون صحيحا ثابتا متصلا؛ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، ولو أطعناك في هذا لتركنا أحاديث كثيرة هي عبارة عن قصص للأمم السابقة. فلا نطيعك أيضا.

ليس الأمر على إطلاقه، إذ لا يُحكم في هذا بحُكم مطّرد أنّ كل ما رواه الصحابي من قصص تكون مأخوذة عن التابعين، وكذلك لا يُحكم بأن كل حكاية أرسلها الصحابي بسند مرفوع تكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلّم. بل كما قال ابن حجر (النكت ص778): ((كل حديث يقوم به ترجيح خاص)). اهـ

ثم أنه ليس هناك اضطراب أو نكارة بالمعنى الشديد الكبير الذي تظنه أخي الفاضل، فقط هي عدد النساء، وقوة نبي الله سليمان

لو كان الاضطراب في الحديث قاصراً على عدد النساء، لما كان ذلك في حد ذاته قادحاً، ومثاله حديث جابر المخرّج في الصحيحين إذ اختلافات رواياته في العدد لا تقدح في المتن. لكن إذا انضمّ إلى هذا الاضطرابِ اضطرابٌ آخر في رفع الحديث ووقفه مِن وجوهٍ رجالُها ثقات، هنا صار الاختلاف قادحاً، لا سيما مع قرائن تنضمّ إليه كمنافاة المعقول ومشابهة الإسرائيليات وغيرها. فإذا اجتمعت كل هذه الإشكالات في حديث، فأنَّى يُقطع برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم والاحتجاج به؟

على أن العلماء قد التمسوا لهذا التردد في العدد كلاما، لكنك لم ترتضه، وضعفته، ولا يهم الآن قوة تعليلهم أو ضعفه، إنما المهم هو بيان الكثرة هنا ولو لم تأتي مجمعا عليها.

وكلام ابن حجر رحمه الله ليس فيه دليلا لك أخي فمراده رحمه الله بيان تقرير القاعدة في مسألة نفي الكثير بذكر القليل، والشيخ رحمه الله إختار أنه لا تأثير بل مفهوم العدد معتبر عند الجمهور.

هناك مَن ذهب إلى أن العدد غير مقصود لذاته، فلا فرق بين كثير وقليل. وقد ردّ ابن حجر على هذا القول ومال للرأي الثاني، وهو أن العدد معتبر ومقصود لذاته. ثم حاول التوفيق بين اختلافات الرواة فيما لا طائل مِن ورائه، ولذلك رجع عن هذا في موضع آخر من الفتح بقوله (11/ 614): ((وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من الناقلين)). اهـ فمتى عُلم ذلك، صار الجمعُ بين الأعداد ركيكاً متكلَّفاً.

على أنه قد يكون الحديث قد أخذ عن أبي هريرة رضي الله عنه على فترات، وقد تكون متباعدة فيذكر مرة وينسى مرة ويشك مرة ويجزم مرة ويهم مرة وهكذا. فالأمر يعلم الله أبسط مما ذكرت.

إذا اتحد المخرج، صار الحملُ على التعدد غير ممكن. كما قال ابن حجر (النكت ص804): ((وكذا حديث جابر رضي الله عنه في قصة الجمل، فإن الروايات اختلفت في قدر الثمن وفي الاشتراط وعدمه. وقد ذكر البخاري ذلك مبيناً في موضعين من صحيحه، وقال: "إن قول الشعبي بوقية أرجح، وأن الاشتراط أصحّ". وهو ذهاب منه إلى ترجيح بعض الروايات على بعض. أما دعوى التعدد فيها، فغير ممكن)). اهـ

ـ[السكران التميمي]ــــــــ[18 - Mar-2009, مساء 08:57]ـ

زادك الله حرصا وعلما، ونفع بك آمين، وأقر عين أهلك بك بجاهه وجلاله سبحانه

ولكني مع ذلك أقول: الحديث فيما تتبعته وسبرته فيه؛ (صحيحٌ رفعه، ثابت وصله) ولا ألزم بحكمي أحد.

أختم بقولي: لا مجال للإفتراضات في الأمور الثابتات المقررات، فلم أجد يعلم الله على ما عشته مع هذا الحديث من أهل العلم لا سلفا ولا خلفا من أشار إلى علة أو خلل قد يقدح بهذا الحديث ويزيل رفعه ووصله يمكن الإعتماد والاطمئنان إليها.

ويعلم الله لو شك الشيخين ولو لوهلة واحدة في تردد الحديث وقفا أو رفعا، أو أن طريق الرفع في مقال، والله لما ترددا في إخرجه من صحيحيهما ولما أدخلوه فيهما.

ليسهل الله أمرك أيها الشهم العزيز، فلقد أحببت إصرارك ومثابرتك، لأنها قليلة هذه الأيام، زادك الله من فضله آمين.

هذا ما لدي هنا. وسلام الله عليك ورحمته وبركاته.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015