عن أبيهِ هذا الحديثَ بطولهِ، وقال: "سبعينَ امرأةً")). اهـ
قلتُ: حديث طواف سليمان ساقه البخاري بالمعنى فتصرّف في ألفاظه، فقد رواه في صحيحه عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق بلفظ ((مائة)) لا ((سبعين))، وبلفظ ((لم يحنث وكان أرجى لحاجته)) وليس ((لكان كما قال)). وحديث الاستثناء ليس خطأ، فقد رُوي عن غير أبي هريرة أيضاً، وهو مرفوع حُكماً. وقد استند أبو هريرة رضي الله عنه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الاستثناء من اليمين وطبّقه على قصة سليمان. فاشتبه على الرواة، فرفع بعضهم القصة نفسها وجعلها من كلامه صلى الله عليه وسلّم. ثم تصرّفوا في آخر المتن:
فقال الأعرج: ((لو قال: "إن شاء الله"، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)).
وفي رواية هشام بن عروة من طريقه: ((لو قال: "إن شاء الله"، كان كما قال)).
وقال ابن سيرين: ((لو كان سليمان استثنى، لحملت كل امرأة منهنَّ، فولدت فارساً يقاتل في سبيل الله)).
وقال طاوس: ((لو قال: "إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركاً لحاجته)).
فرواه جميعهم بالمعنى.
هنا أمور:
أولها: المصطلح عند بعض العلماء إن لم يكن أكثرهم أن قولهم: (يرويه) المراد بها: (يرفعه) إلى من رواه أولا؛ طبعا هو هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تنافي ولا تعارض.
فلذلك أتت على التصريح في بعض الطرق مما يدل على أن المراد بها الرفع والرواية المباشرة. فتنبه.
ثانيها: قول البخاري صحيح لا غبار فيه، وهو ما قال هذا الكلام إلا لما أنه وجد من الرواة من أدخل الحديثين مع بعضهما البعض فاختلطا، ولا يحضرني الآن حقيقة من رواه بالاختلاط. فليس في نقلك لكلامه دليل لك. بل هو يؤيد ما قلناه، لأنه ينافح عن الحديث معنا في أنه ثابت معروف.
ثالثها: قولك: (أن أبا هريرة استند إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الاستثناء من اليمين وطبّقه على قصة سليمان. فاشتبه على الرواة، فرفع بعضهم القصة نفسها وجعلها من كلامه صلى الله عليه وسلّم. ثم تصرّفوا في آخر المتن). أقول:
يعلم الله أخي الذي وجدته من رواية الحديثين أنهما مستقلان متباينان في سبب الورود، وما قال هذا البيان سواك حفظك الله، بل أن الخطأ أصلا والذي من أجله بين العلماء ذلك هو خلط الحديثين لنشابه الاسنادين لا أكثر ولا أقل، أم أن أبا هريرة رضي الله عنه استند به وجعله تطبيقا على قصة سليمان فغير صحيح ولا هو مسلم، فلم يوجد الحديثين مجتمعين أبدا إلا في رواية من وهم فيهما وخلط. فتنبه.
ثم تحديدك بأن الرواة استنادا على ما قلت أنت قد تصرفوا في آخر القصة، فهذا لا يجوز على جبال شمخ مثل هؤلاء. فهم ما نقلوا إلا ما سمعوه من شيخهم رضي الله عنه وقصدي أبو هريرة.
خامساً: منافاة القصة للمعقول
وهذا جليٌّ في أن إتيان الرجل لهذا العدد الهائل من النساء في ليلة واحدة يتنافى مع طبيعة الأشياء:
(1) فليلة واحدة فقط غير كفيلة بوطء تسعين بل سبعين بل ستين امرأة، مهما طالت المدة من المغرب إلى الفجر!
(2) أن فطرة الله التي فطر الناس عليها تتعارض مع ما تنسبه هذه القصة لسليمان عليه السلام من فحولية غير معقولة!
نحن هنا أخي العزيز لا نتكلم عني أو عنك أو عن آخر من الناس، بل نتكلم عن نبي من الأنبياء الذين أختصهم الله سبحانه بخصائص ليست لغيرهم، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه سلم قد اوتي قوة أربعة عشر رجل كما ورد، فكيف بمن كان قبله وهم يختلفون عنه في التركيبة البدنية من حيث القوة والضخامة.
فأعتقد أن هذا الأمر غير مستغرب. نهايك عن أن طرف القصة قد ورد في القرآن كما قال تعالى: {وألقينا على كرسيه جسدا}.
سادساً: عقاب سليمان على عدم استثنائه
تشير القصة إلى أن سليمان أعرض عن قول: "إن شاء الله". وليس هو من قبيل قوله تعالى (ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله)، فالنص يقول إن الملَك حثّ سليمان في حينها على الاستثناء فلم يفعل: ((فقال له صاحبه: "قل: إن شاء الله"، فلم يقل: "إن شاء الله")). فكان عقابه من الله أن أعطاه نصف غلام! ثم إنه أقسم على الطواف بنية الإنجاب، وقد فعل ما أقسم عليه، ففيم الحنث؟ لا يقال إن القسم منصرف إلى الولادة، لأن سليمان عليه السلام لا يقسم على ما لا يملك. ولو كان كذلك، فقسَمُ النبي مبرور لا سيما وأنه وهب ما يلده لله عز وجلّ! ثم هل يكون عقاب
¥