قلتُ: لا وجه للجمع بين الأقوال بتقسيم النساء إلى حرائر وسراري، فهذا تكلُّف ظاهر وليس له دليل صحيح، وإن كان ورد تفصيل ذلك في الإسرائيليات كما سنذكر. بل الصحيح أنه اختلاف من الرواة أنفسهم، لأنه لا يُعقل أن يقول أبو هريرة رضي الله عنه كل هذه الأعداد تارة بعد أخرى! ولذلك قال ابن حجر نفسه في موضع آخر (الفتح 11/ 614): ((وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من الناقلين. ونقل الكرماني: أنه ليس في الصحيح أكثر اختلافاً في العدد من هذه القصة)). اهـ

فعدم ضبط الرواة للعدد المذكور ينضمّ إلى عدم ضبطهم وقف الحديث مِن رفعه.

يعلم الله لم أر من جعل هذا القيد للحكم على الحديث بالوقف سواك (ويعلم الله أني أجلك وأحترمك) فلم يقله أحد. ولا نطيعك عليه أيضا.

على أن العلماء قد التمسوا لهذا التردد في العدد كلاما، لكنك لم ترتضه، وضعفته، ولا يهم الآن قوة تعليلهم أو ضعفه، إنما المهم هو بيان الكثرة هنا ولو لم تأتي مجمعا عليها.

وكلام ابن حجر رحمه الله ليس فيه دليلا لك أخي فمراده رحمه الله بيان تقرير القاعدة في مسألة نفي الكثير بذكر القليل، والشيخ رحمه الله إختار أنه لا تأثير بل مفهوم العدد معتبر عند الجمهور.

وأنا معك بالنسبة أن إختلاف العدد أتى عن طريق إختلاف الرواة وعدم تيقنهم بالصحيح، ولكن هذا لا يجعلني أصرف رواية صحيحة ثابتة من أجل أنه لم يضبط عدد معين فيها من الرفع إلى الوقف. فهذا غير مسلم وغير منضبط فتنبه.

على أنه قد يكون الحديث قد أخذ عن أبي هريرة رضي الله عنه على فترات، وقد تكون متباعدة فيذكر مرة وينسى مرة ويشك مرة ويجزم مرة ويهم مرة وهكذا. فالأمر يعلم الله أبسط مما ذكرت.

رابعاً: فقال النبي .. أم فقال أبو هريرة؟

مما يلفت الانتباه - كما أشار الأخ المفضال السكران التميمي حفظه الله - أن الروايات الموقوفة نفسَها رَفَعَت آخر الحديث وهو قوله: ((لو قال: "إن شاء الله"، لم يحنث، وكان دركاً في حاجته)). ولكن هذا الرفع أيضاً اشتبه على بعض الرواة، فجاء من طريق علي بن المديني موقوفاً على أبي هريرة. قال البخاري (6341): حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان، عن هشام بن حجير، عن طاوس: سمع أبا هريرة قال: ((قال سليمان: "لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة، كلٌّ تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله". فقال له صاحبه – قال سفيان: يعني الملك – قل: "إن شاء الله"، فنسي. فطاف بهنَّ، فلم تأت امرأة تلد منهنَّ بولد، إلا واحدة بشق غلام)). فقال أبو هريرة يرويه، قال: ((لو قال: "إن شاء الله"، لم يحنث، وكان دركاً في حاجته)). وقال مَرَّة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو استثنى)).

وقال البيهقي (الأسماء والصفات 354): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرني أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه: ثنا عثمان بن سعيد الدارمي: ثنا علي بن المديني: ثنا سفيان، عن هشام بن حجير، عن طاوس، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ((قال سليمان عليه السلام: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كلهن تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله عز وجل". فقال له صاحبه – يعني الملك –: "قل: إن شاء الله"، فنسي. فأطاف بهن، فلم تأت امرأة بولد إلا واحدة، بشق غلام!)) قال أبو هريرة رضي الله عنه، يرويه: ((لو قال: "إن شاء الله"، لم يحنث، وكان دركاً له في حاجته)).

وإنما استشهد أبو هريرة في آخر القصة بالحديث الذي رواه بنفسه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن حلف فقال "إن شاء الله"، لم يحنث)). أخرجه عبد الرزاق (16118) ومن طريقه الترمذي (1571) وابن ماجه (2104) والنسائي (3855)، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً.

قال الترمذي: ((سألتُ مُحَمَّدَ بنِ إسماعيلَ عن هذا الحديثِ، فقال: هذا حديثٌ خطأٌ، أخطأَ فيهِ عبدُ الرزَّاقِ. اختصرهُ من حديثِ معمرٍ عن ابنِ طاوسٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيرَةَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّم قال: "إنَّ سليمانَ بنِ داودَ عليهِ السَّلامُ قال: لأطُوفنَّ اللَّيلةَ على سبعينَ امرأةً تلدُ كلُّ امرأةٍ غُلاماً. فطافَ عليهنَّ فلم تلدْ امرأةٌ منهنَّ إلاَّ امرأةً نصفَ غلامٍ. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّم: لو قالَ إنْ شاءَ اللهُ لكانَ كما قال". هكذا روى عبدُ الرزَّاقِ عن معمرٍ عن ابنِ طاوسٍ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015