قال الخطيب البغدادي (الكفاية 2/ 562) في الترجيح بين الأخبار: ((ويرجح أيضاً بأن يكون متفق على أنه مرويّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومرفوعاً إليه، والآخر مختلف فيه: فُيروى تارة مرفوعاً، وأخرى موقوفاً، ولا يمكن مثل ذلك فيما أجمع أنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم)). اهـ

والنووي يرى تبعاً لابن الصلاح بأنه إذا تعارض الرفع والوقف، حُكِم لمن رفعه لأنها زيادة ثقة. وتعقّبه السيوطي (التدريب 1/ 117) بأنه لا يُحكم ((بذلك لمجرّد الزيادة، بل لأن لحذاق المحدّثين نظراً آخر، وهو الرجوع في ذلك إلى القرائن، دون الحُكم بحُكم مُطَّرد)). اهـ

وهذا هو الجنس العاشر من أجناس العلل عند الحاكم (معرفة علوم الحديث ص118): أن يُروى الحديث مرفوعاً من وجه، وموقوفاً من وجه، نبّه عليه السيوطي في تدريبه (1/ 139).

والسؤال هنا: إن ترجَّح كون هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة، فهل له حُكم المرفوع؟

والجواب: اجتمع في هذا المتن عدم كونه من أحاديث الأحكام، ثم كونه قصة من الإسرائيليات، ثم في المتن اضطراب ونكارة. فكيف يكون له حُكم المرفوع؟

هنا أمور أخي:

أولها: ليس كلام الخطيب رحمه الله على إطلاقه أخي العزيز، بل مراده هنا بالحديث المجمع عليه الثابت نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح توفرت شروط صحته، وليس الحديث الضعيف بأنواعه، وإلا أخي الفاضل قد رويت أحاديث لا تحصى كثرة من طريق موقوف وهي ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، كما رويت موصولة أيضا.

ثانيها: أن قرائن هذا الحديث بحسب الطرق التي رأيتها له كلها شاهدة أنه لم يقله أبو هريرة رضي الله عنه من نفسه، دليل ذلك: أنه لم أكثر الطرق الموقوفة إن لم يكن كلها قد صرح في آخرها بأن القائل للحديث بالجملة ابتداء هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رواه من التابعين عن أبي هريرة لم يروه كاملا عنه لجميع أحداث القصة، بل رواه عنه بأوله ثم نسبت القصة إلى راويها الأصلي وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الرواية.

ثالثها: لم أر من رجح الوقف في هذا الحديث سواك حفظك الله (وكلك خير وبركة) فلا نطيعك في هذا.

رابعها: تقسيم الأحاديث إلى ما ذكرت من أحاديث أحكام وغيرها، ليس محل اتفاق بين العلماء، فلم يرتضه بعضهم، فمتى ما ثبت الحديث متصلا مسندا تمت شروطه فلا فرق بين أنواعه وأجناسه في كونه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله.

خامسها: لا يمنع أن يكون الحديث من قصص الأمم السابقة أن يكون صحيحا ثابتا متصلا؛ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، ولو أطعناك في هذا لتركنا أحاديث كثيرة هي عبارة عن قصص للأمم السابقة. فلا نطيعك أيضا.

ثم أنه ليس هناك اضطراب أو نكارة بالمعنى الشديد الكبير الذي تظنه أخي الفاضل، فقط هي عدد النساء، وقوة نبي الله سليمان، وسيأتي فيما يلي بيان ذلك.

ثالثاً: الاضطراب في عدد النساء

قال ابن الجوزي (كشف المشكل 1/ 958): ((في عدد النساء أربعة أقوال:

أحدها: مائة. والثاني: تسعون. والثالث: سبعون. والرابع: ستون. وكلها في الصحيح)). اهـ

قلتُ: والخامس: تسع وتسعون وهو عند البخاري تعليقاً من حديث جعفر بن ربيعة عن الأعرج، وصله الإسماعيلي والطحاوي. وفي هذا المقام أشير إلى وهم البخاري في قوله: ((قال شعيب وابن أبي الزناد: "تسعين"، وهو الأصح)). اهـ فرواية ابن أبي الزناد "سبعين" وليست "تسعين"، أخرجها عنه ابن سعد، وابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عنه.

قال ابن حجر (الفتح 6/ 531): ((فمحصَّل الروايات: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة. والجمعُ بينها: أن الستين كُنّ حرائر وما زاد عليهنّ كُنّ سراري، أو بالعكس. وأما السبعون، فللمبالغة. وأما التسعون والمائة، فكُنّ دون المائة وفوق التسعين: فمن قال "تسعون" ألغى الكسر، ومن قال "مائة" جبره. ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر. وأما قول بعض الشراح: "ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من مفهوم العدد، وليس بحجة عند الجمهور"، فليس بكافٍ في هذا المقام. وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين، والله أعلم)). اهـ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015