وطريقة ابن الصلاح جيدة، ولكن تحتاج لبعض التقويم كما جاء فى شرح الطحاوية؛ لأنه لو قلنا إن ظن المعصوم لا يخطئ فلا يعنى ذلك أنه يفيد اليقين بل يعنى أنه يبقى بالنسبة لنا ظنا، والفرق بينه وبين ظن غير المعصوم أن الثانى هو ظن فى حق صاحبه فقط وليس فى حقنا نحن؛ إذ قد يرجح ما ليس من حقه الترجيح لإمكان وقوع الخطأ فى نظره وترجيحه فإن زال احتمال وقوع الخطأ منه فى النظر والترجيح وكان معصوما من ذلك كان ظنا بالنسبة لنا لكن لا يرتقى إلى أن يصير يقينا بالنسبة لنا.

ومنهم من قال: يفيد إذا توافرت له قرائن الأحوال.

قاله ابن قدامة، وابن حمدان، والطوفي، والمرداوى ((والقرائن وإن قال الماوردي: لا يمكن أن تضبط بعادة، فقد قال غيره: بل يمكن أن تضبط بما تسكن إليه النفس، كسكونها إلى المتواتر أو قريب منه، بحيث لا يبقى فيها احتمال عنده البتة)) (37)

ومنهم من قال يفيد العلم بشرط أن يكون مستفيضا

والمستفيض ما بلغ رواته فى كل طبقة ثلاثة أو أكثر وهو مذهب ابن مفلح، والإسفرايينى، وابن فورك. (38)

المسألة الثالثة: هل يؤخذ به فى العقائد؟

وفيه مذاهب:

الأول: يؤخذ به فى العقائد، وهم من قالوا بإفادته لليقين مطلقا أو بشرط و كذلك بعض من قال يفيد الظن فقط، وحكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك. قال الإمام أحمد: نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد منها شيئا إذا كانت بأحاديث صحاح وقال فى موضع آخر أحاديث الصحاح نؤمن بها ونقر وكل ما روى عن النبى (ص) بأسانيد صحيحة نؤمن بها (39) و قال ابن قدامة: ((مذهب الحنابلة أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات، ذكره القاضي أبو يعلى في مقدمة المجرد، والشيخ تقي الدين في عقيدته)).

والثانى: يؤخذ به فى بعض المسائل المتعلقة بالسمعييات وتفاصيل مقادير الثواب والعقاب وصفة الجنة والنار حيث يتعذر فيها القطعيات. وهو مذهب متقدمى المتكلمين كالأشعرى وكان لا يرد مما رواه الثقات فى هذا الباب شيئا إذ أننا بصدد الحديث عن الاستدلال والبرهان لا الاعتقاد, علي أن الاعتماد علي أحاديث الآحاد الصحاح في باب السمعيات, وذلك لتعذر المتواترات, كما قد يؤخذ بها في باب العمليات في باب الأسماء والصفات (40)

الثالث: لا يؤخذ به فى العقائد مطلقا، قاله أبو الخطاب، وابن عقيل (41)

ويلاحظ أن هناك ميزة فى خبر الواحد فيما يتعلق بالمقدمات الشرعية وليست هى كبقية الأخبار فهى منقولة عن مؤيد بالمعجزة وهذا يعنى بجانب صدق المصدر أن الله تعالى متكفل بحفظ ما ترتب على حفظه حفظ الدين من خبر الآحاد، يقول ابن أبى العز الحنفى قال تعالى: ? هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ? (42) فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه، لئلا تبطل حججه وبيناته؛ ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته، وبين حاله للناس. قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحدا يكذب في الحديث، وقال عبد الله بن المبارك: لو هم رجل في السحر أن يكذب في الحديث، لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب.)) (43) وليس هذا من باب ما يستأنس به، ولا من باب التعصب للدين بل إن العقل ليقر بأن الله تعالى إذا أسل رسولا أعانه على تبليغ رسالته، وإن كانت الرسالة هى الخاتمة فلا بد من أن يحفظها ويقيمها.

هذا لا يعنى أنه يستحيل عقلا الكذب على رسول الله تعالى وإنما يعنى أنه يستحيل عقلا أن يصل الكذب إلى حد إبطال الحق من السنة وتشويهها ولذلك كان لخبر الآحاد المروى عن النبى (ص) فى مجموعه ميزة تضاف إليه تميزه على ما سواه من أخبار الآحاد.

---------

(1) السفارينى: لوامع الأنوار ص 16

(2) ولهذا سماه الأصوليون خبرا رغم أن معظمه أوامر ونواه, البرهان 1/ 565ـ566، أما تسمية المتكلمين للدليل السمعي بالخبر فواضحة لكونهم يتناولون أدلة الاعتقاد وهي أخبار في الجملة.

(3) انظر الرازي: معالم أصول الفقه 6/ب -7/أ

(4) الآمدى: الإحكام 2/ 15

(5) انظر الجوينى: البرهان 1/ 564.

(6) انظر الآمدى: الإحكام 2/ 19

(7) انظر عبد القاهر البغدادي: أصول الدين، دار الهلال بيروت، ط2، 1980، ص13

(8) سورة التوبة:100

(9) رواه مسلم (7/ 188، رقم 6652)

(10) البخارى: الجامع الصحيح 2/ 1333

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015