الثانى: لقد شاهدنا فى عصرنا الحالى من انشغل بالحديث على حساب الفقه والأصول، وانتهج منهجا شبيها بمنهج أهل الظاهر، وبدع أتباع المذاهب الأربعة بدعوى حرمة التقليد فى فروع الشريعة، وظنوا فى أنفسهم القدرة على استنباط الأحكام من أدلتها، وقد تلخص منهجهم فى نقطتين:

الأولى: نقد الأحاديث وفقا لما هو مكتوب فى كتب الرجال والحكم عليها وفقا للتعريفات المقررة فى المصطلح، وقد ترتب على ذلك مخالفتهم لأئمة الحديث فتجدهم مثلا يضعفون ما حسنه الترمذى وربما يحكمون بوضعه لأنهم وجدوا فى أحد رواته من وصف بالضعف فى بعض الكتب، وهذا خطأ كبير؛ فالرجال لا تتلخص أحوالهم فى كلمات ورموز، وشتان بين من عايشهم وأخذ عنهم واجتمع له من قرائن الأحوال ما يمكنه من الحكم على كل حديث ورواية على حدة ما لا يمكن لغيره وبين هؤلاء.

النقطة الثانية: أنهم يوجبون العمل بظواهر الأحاديث الصحيحة فإن تعارضت ظواهرها فبالأصح سندا على طريقتهم خاصة إذا خالف ما اشتهر عن الفقهاء، أما الأحاديث الضعيفة فيوجبون العمل بنقيضها على أساس أن العمل بها بدعة وضلالة!!

ثم إن الحديث عن خبر الآحاد المقبول يتفرع إلى مسائل:

المسألة الأولى: هل يفيد العمل:

لا خلاف على ذلك بين الأصوليين وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقوله تعالى?فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ? (27) ووجه الاستدلال بتلك الآية كما يقول الرازى: ((أن الفرقة ثلاثة، والطائفة من الفرقة إما اثنان وإما واحد، فقد أوجب الله تعالى على كل طائفة أن يتفقهوا فى الدين بغرض أن ينذروا قومهم بعد الرجوع إليهم ثم أوجب على أولئك السامعين لتلك الإنذارات الحذر لأن قوله تعالى: (لعلهم يحذرون) يجب حمله على الإيجاب لأن الرجاء من الله تعالى محال)) (28)

ومنه قوله تعالى?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ? (29) فدل على أن العدل الواحد يثبت العمل بخبره وإلا لو كانا سواء لما كان لتخصيص الفاسق فائدة (30)

وأما السنة: ((فما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يرسل رسله إلى القبائل لتعليم الأحكام وذلك يدل على أن خبر الواحد حجة)) (31) لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يرسل ما يحصل بهم التواتر بل آحادا من الناس.

وأما الإجماع: فقد انعقد فى عهد الصحابة رضوان الله عليهم ذلك ((أن بعض الصحابة عمل بمقتضى خبر الواحد وسكت الباقون عن الإنكار، ومتى عمل البعض وسكت الباقون حصل الإجماع)) (32) فقد كان العمل به شائعا عند الصحابة ـــ رضوان الله عليهم من غير نكير, وعلي ذلك جرت سنة التابعين, وتوضيح ذلك أن السكوت على الباطل باطلا، فلو كان العمل بخبر الواحد باطلا وسكتوا عنه جميعا لكانوا مجمعين على الباطل، وقد ثبت أن الأمة لا تجتمع على الباطل .. فثبت أن العمل به حق من تلك الجهة فهو ثابت بالإجماع المسمى سكوتيًا، وقد تواتر عنهم ذلك من جهة المعني.

وقد دل العقل على جوازه - خلافا للجبائي وجماعة من المتكلمين- لأنه لا يلزم عنه محال في العقل ولا معني للجائز العقلي سوي ذلك، وقد اختلف فى وجوبه عقلا (33).

المسألة الثانية هل يفيد اليقين: وفيه مذهبان

الأول لا يفيد اليقين مطلقا بل يفيد الظن

وهو قول الإسفرايينى، والباقلانى، وابن عقيل، وابن الجوزي،، والغزالى، والفخر الرازي، والآمدى.

ونص الإمام أحمد في رواية الأثرم: أنه يعمل به، ولا نشهد بأن النبي - (ص) - قاله. وأطلق ابن عبد البر وجماعة أنه قول جمهور أهل الأثر والنظر. (34)

الثانى: يفيد يقينا نظريا بشرط، وهؤلاء انقسموا:

منهم من قال يفيد اليقين بشرط تلقى الأمة له بالقبول.

وهو قول أبى يعلى وأبى الخطاب وابن الزاغونى (35) وابن تيمية وعامة أهل الحديث وقال ابن الصلاح ((ما أسنده البخاري ومسلم العلم اليقيني النظرى واقع له)) واستدل على ذلك بأن ((ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ.)) ووافقه ابن كثير وقال ابن ((وإنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه)) (36)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015