والواقع أن مدار ذلك على ثقتنا فى حكم الناقل الذى وصف المنقول عنه بأنه من الصحابة، ومعلوم أن للصحبة شروطا، وتطبيق تلك الشروط والتحقق منها ليس أمرا بديهيا بل كثيرا ما يخضع للاجتهاد ويقع فيه الخلاف، وهو ما أكد عليه ابن حزم فى تعليقه على رواية له عن أبى عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له من أصحاب النبي (ص) .. حيث قال: ((هذا مسند صحيح, وأبو عمير مقطوع على أنه لا يخفى عليه من أعمامه من صحت صحبته ممن لم تصح صحبته وإنما يكون هذا علة ممن يمكن أن يخفى عليه هذا)) (23).

المسألة الثانية:حول صحة مرسل الصحابى.

قال ابن الصلاح ((ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه: مرسل الصحابي مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يسمعوه منه لأن ذلك في حكم الموصول المسند لأن روايتهم عن الصحابة والجهالة بالصحابي غير قادحة لأن الصحابة كلهم عدول والله أعلم)) (24).

وهذا على اعتبار الغالب وهو أن الصحابى لا يرسل إلا عن صحابى مثله، لكن لا يستبعد أن يكو قد نقل عن تابعى خاصة إذا كان من صغار الصحابة الذين لم يدركوا ولم يسمعوا، وابن الصلاح نفسه يذكر فى نقل الأكابر عن الأصاغر أن ابن عباس و العبادلة قد رووا عن كعب الأحبار وهو من التابعين وهو نفسه يروى عن التابعين، وقد ألف ابن حجر كتابا بعنوان ((نزهة السامعين فى رواية الصحابة عن التابعين)) فذكر فيمن روى من الصحابة عن التابعين: عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأبا هريرة، وأبا أمامة الباهلى .. وغيرهم رضى الله عنهم (25)

فالأمر يحتاج لتفصيل، ثم هو بعد ذلك إن تقرر فى بعض كبار الصحابة فمبناه على الغالب فيقال: إن روايتهم عن غير الصحابة نادرة فلا أثر لذلك النادر، أو على الاستقراء الكامل فيقال إنه بتتبع تلك المراسيل تبين أنه لا يوجد فيها ما يعد منكرا أو ضعيفا لمجرد الإرسال.

المسألة الثالثة: أن ما يرويه الصحابى فى معنى المرفوع كقوله كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله (ص)،أو ما يخبر به عن أمر من الأمور الغيبية أو حكم من الأحكام الشرعية التى لا تدرك إلا عن طريق النبى (ص) ولا مجال فيها للعقل والقياس، وكذلك ما يرويه فى أسباب النزول- يأخذ حكم الحديث المرفوع إن كان ممن لم يعهد عليهم النقل عن أهل الكتاب، يقول الحافظ ابن حجر: ((وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضى موقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي (ص)، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة؛ فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني. فإذا كان كذلك، فله حكم ما لو قال: قال رسول الله (ص)، فهو مرفوع سواء كان مما سمعه منه، أو عنه بواسطة)) (26)

فإن كان الراوي صحابيا فقد اتفق علي قبول روايته, وإلا فالقبول في بقية الطبقات موقوف على العلم بحال الراوي، فما اتصل سنده بنقل العدل الضابط المشهود له من أهل العلم بالجرح والتعديل المعول عليهم فى هذا الشأن وخلا من العلة القادحة والشذوذ فهو الحديث الصحيح، فإن رواه العدل الذى خف ضبطه فهو الحسن، ومن نز ل عن رتبة الحسن فهو الضعيف وله أقسام كثيرة وقد تكلم عنها جميعا علماء الحديث وفصلوا القول فيها بما لا يتسع المجال لذكره.

وإن كانت السمة المميزة لأصحاب المناهج البراعة فى التنظير بما يتعدى القدرة على التطبيق الفعلى لتلك النظريات أو السير وراء أصحاب التطبيق العملى ووصف منهجهم بدلا من قيادتهم، فإن مثل ذلك لا ينطبق على المحدثين؛ فقد كانوا فى تطبيقهم للمنهج واستنباطهم له من الواقع العملى كالذى يضع قدمه عند منتهى بصره، والواقع أننا لا نجد أحدا أسس منهجا وطبقه فى نفس الوقت بمنتهى الدقة كما وجدناه لدى المحدثين، وقد كان لذلك أبلغ الأثر فى حياة الأمة وحفظ الدين.

وتجدر الإشارة هنا إلى أمرين:

الأول: أن المحدث أشبه بالناقد يقتصر دوره عند نقد الحديث ولا يتعداه، فلا ينبغى أن يمتد دور المحدث ليشمل استنباط الأحكام فإن لذلك منهجا آخر، وقلما يجتمع فى شخص واحد القدرة على تطبيق المنهجين كل فى محله.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015