ثم يضيف: "ولذلك نجد كثيرا ما يشرح الحافظ ابن حجر كلمات لا وجود لها في المتن، أو نجد كلمات في المتن لا وجود لها في "فتح الباري".
لكن، هل تقيد الشيخ عبد القادر شيبة الحمد بذلك؟ الجواب نجده في ترجمة باب الحديث الذي شغلنا. حيث قال ابن حجر في الفتح:
"قوله: (وساق حديث الإفك فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأسامة حين استشاره فقال: أَهْلَكَ ولا نَعلم إلا خيرًا). كذا لأبي ذر، ولم يقع هذا كلُّه عند الباقين، وهو اللائق".
وإذا بحثتَ عن هذا الكلام في متن الصحيح من "الفتح" بتحقيق الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، لم تجده!
والسؤال الذي يقتضيه المقام هو: هل الفقرة التي أشار إليها ابن حجر مفقودة في النسختين اللتين اعتمدهما الشيخ؟ وهذا يؤيِّد قول مَن قال إن الشيخ عبد القادر شيبة الحمد تسرَّع بإخراج الفتح بتحقيقه. ولو عاد إلى اليونينة، لوجد الإشارة إلى ما ذكره ابن حجر؛ بل لو اعتمد الطبعة السلطانية (وهي اليونينية) وقارنها بنسختي رواية أبي ذر الهروي، لأمكنه تمحيصهما على ضوئها ..
وفي طبعة الفاريابي، تجد ما أغفله الشيخ عبد القادر شيبة الحمد من الترجمة مثبَتًا، لكنك تجد "ثوبان" بدل "يونس"!!
ولست أدري ما هي ظروف الطبعة الأولى من "عمدة القاري"، لكن لديَّ ظن راجح أنّه تعرَّض لما تعرَّض له "فتح الباري" في طبعة السلفية. وذلك لسببين اثنين:
_ أثناء شرحه للبخاري، كان العيني يواكب شرح ابن حجر مواكبة مطَّلع على مضمونه، وقد نظر إليه بعين مستنسِخة في أكثر من موضع. وهذا يؤيد احتمال أنه لم يُدمج المتن في الشرح، على غرار معاصره ومنافسه.
_ في "عمدة القاري" تجد في المتن، على سبيل المثال، العنوان التالي:
"باب الإيمان وقول النبي بُنِيَ الإسلام على خمس"
ثم تقرأ في الشرح: "أي: هذا بابٌ في ذكر قول النبيِّ: "بُنِيَ الإسلامُ على خَمْس". فيكون ارتفاع "باب" على أنه خبرُ مبتدأ محذوف. ويجوز النصب على: "خذ بابَ قولِ النبيِّ". وفي بعض النسخ: "باب الإيمان وقول النبي بُني الإسلامُ على خمس". والأولى أصح، لأنه ذكر أوَّلا كتاب الإيمان، ولا يناسب بعده إلا الأبواب التي تدل على الأنواع؛ وذِكْرُ باب الإيمان بعد ذِكر كتاب الإيمان لا طائل تحته على ما لا يخفى".
وهذا يؤكِّد أنَّ المتن أُدمِج في الشرح مِن طرف الناشرين، بدليل ترجيح العيني لخلاف ما هو مثبَتٌ في المتن.
أمّا الرواية التي اعتمد عليها صاحب العمدة متنًا لشرحه، فلم أتبيَّنها بعد، ولا علم لي بها. وغالب ظني أنه اقتفى أثر ابن حجر، لكن إثبات ذلك يحتاج إلى تتبُّع، والتتبُّع يستدعي سعة في الوقت. ولمن له علم بالمسألة أن يفيدنا بها مأجورًا، بإذن الله ...
وهذا يحل إشكالية عدم تعرُّض ابن حجر والعيني لـ "ثوبان" بالتعليق أو الاستشكال أو التحفظ، لاعتمادهما على رواية أبي ذر الهروي.
ومن عجيب تحكُّم الطبعة السلفية للفتح في الباحثين وطلبة العلم عمومًا أنّ محقِّق "تغليق التعليق" أثبت "ثوبان" في سند الحديث، كما أشرتُ مِن قبل. وكنت حينئذ اختلستُ النظرَ إلى الكتاب، فلمَّا وقعتُ على اسم ثوبان اكتفيتُ. لكنني رجعت بعد ذلك إلى الموضع نفسه للتمحيص، فقرأت في هامش المحقق ما يلي (في الصفحة 373 من المجلد الثالث، هامش:4):
"من البخاري. وفي المخطوطة: يونس"!!!
وذلك لاعتماده على الطبعة الملفقة لمتن صحيح البخاري. فكذَّب المخطوط، وصدّق المطبوع!!
وهذا يؤكد ما أردت الوصول إليه، وهو أنَّ الدعوة إلى "تصحيح جميع المواطن في الطبعات من صحيح البخاري" لا تستقيم على إطلاقها؛ لأنها ستؤدي بنا إلى طبعة أخرى تلفيقية ترجيحية، وهذا مُنافٍ للأمانة العلمية. وفي البال اقتراحات بهذا الصدد، ليس هنا موضع ذِكرها ...
وأردت التأكيد أيضا على أنه لا يحق لنا المجازفة بالتأكيد على أنَّ "ثوبان" "من إقحام النسّاخ"، وإن توصَّلنا بالقرائن إلى أنه تصحيف لـ "يونس"؛ لأنَّ ذلك يسؤدي بنا إلى التشكيك في كثير ممّا قد يخفى علينا من "صحيح البخاري"؛ وهذا فيه ما فيه ...
وأردت القول أخيرًا: بارك الله في الأخ القاسمي لإثارته هذا الإشكال، وجزى الله خيرًا الأخ "القاموس" على مذاكرته، وكذا الفاضل النوراي وأبا رقية الذهبي ومسلم بن عبد الله؛ دون أن أنسى الفاضل الأريب "ابن السائح، وله جزيل الشكر على إطلالته الوارفة ..
وأختم بهذه الفائدة:
قال الحافظ عمر ابن الحاجب عن تقي الدين اليونيني (والد شرف الدين صاحب "اليونينية"):
" من جملة محفوظه: "الجمع بين الصحيحين للحميدي". وحدثني أنه حفظ "صحيح مسلم" جميعه وكرر عليه في أربعة أشهر (!) وكان يكرر عليَّ أكثر "مسند أحمد" من حفظه. وكان يحفظ في الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثا"!!
وقال قطب الدين اليونيني (أخو شرف الدين):
"حفظ "الجمع بين الصحيحين"، وحفظ "صحيح مسلم" في أربعة أشهر، وحفظ سورة الأنعام في يوم واحد، وحفظ ثلاث مقامات من الحريرية في بعض يوم"!!
ومن مغيَّبات أسرار القدر أنَّ سبب وفاة الشيخ شرف الدين اليونيني كان ضربة مجنونٍ في رأسه، قضى بعدها بستتة أيام! وكانت وفاته في شهر رمضان، نسأل الله حسن الختام. رحمه الله، وأجزل له المثوبة على قيِّم ما بذل ...
¥