ـ[الواحدي]ــــــــ[02 - Jan-2009, صباحاً 04:44]ـ
( ... تابع)
لنعد الآن إلى المثال الذي ساقه القسطلاني لتبيين دلالة بعض رموز اليونينية واستعمالاتها. في "اليونينية" نقرأ ما يلي:
"إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَ قٌرْآنَهُ قَالَ جَمْعُهُ لَهُ فِي صَدْرِكَ".
وفوق "جَمْعُهُ لَهُ" نقرأ: "صحـ ه ص س ط".
وفوق "في" نقرأ: "لا ه س ط"
وعلى الهامش نقرأ: "أي جَمْعُه تعالى للقرآن في صدرك". ونقرأ أيضًا: "جَمَعَهُ لَكَ صَدْرُكَ" وفوقها: "صحـ ه ص س ط".
وإذا عدنا إلى شرح القسطلاني للحديث في موضعه من الشرح وجدنا التالي:
" (جمعه) بفتح الميم والعين (لك صدرك) بالرفع على الفاعلية. كذا في أكثر الروايات. وهي في "اليونينية" للأربعة؛ أي: جمَعَه الله في صدرك، وفيه إسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز ... "
ثم يقول:
"ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: جمعه لك صدرك، بسكون الميم وضم العين مصدَرًا ورفع راء صدرك فاعل به.
ولكريمة والحمُّوي ممّا ليس في اليونينية: جمعه لك في صدرك، بفتح الجيم وإسكان الميم وزيادة في.
وفي رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر أيضًا، ممّا في "الفرع" كأصله: جمعه له، بإسكان الميم؛ أي: جمْعُه تعالى للقرآن صدرك.
وللأصيلي وحده: جمعه له في صدرك، بزيادة في".
وقد سقت كلام القسطلاني، على طوله، للتنبيه على مدى وعورة رموز اليونينية؛ وكذلك للإشارة إلى تعدد الروايات عند الراوي الواحد؛ وأيضا إلى صعوبة تحديد موضع الرمز أو الرقم بالنسبة للكلمة ..
والإقرار بهذه الصعوبة ممّا لا يختلف عليه الراسخون .. بل إنَّ جهابذة العلماء والمحققين المدققين توقفوا عند بعض رموزها، ولم يجدوا لها ما يفسرها!
ومن ذلك رمز "ق". يشير القسطلاني إلى أن المقصود به لعلَّه أبو الوقت، مع أنّه أشار إلى أنّ رمز أبي الوقت "ط" (أو: ظ). لكنه لم يجزم. لهذا تجد ابن حجر في الفصل السابع من "هدي الساري" يشير إلى الرمز دون تحديد المرموز إليه، ولعلّ ذلك لاستشكاله؛ حيث يقول حول قول البخاري: "وأفهَمَني بعضَه أحمد"، في كتاب الشهادات (باب تعديل النساء بعضهنَّ بعضًا):
" لم يُبيِّن أبو علي الجياني مَن هو أحمد هذا؟ ووقع في كتاب خلف الواسطي في الأطراف: "وأفهمني بعضه أحمد بن يونس"، وبهذا جزم الدمياطي. وقال بن عساكر والمزي إنه وهْم. قلت: ورأيته في نسخة الحافظ أبي الحسين اليونيني، وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له إلا رواية واحدة، فإنه كتب عليها علامة "ق"، ونسبه فقال: أحمد بن يونس".
والقسطلاني، في نفس الموضع من شرحه، لم يزد على أن أضاف شهادته إلى شهادة ابن حجر بخصوص صحة ما قرأه في "اليونينية". وقد نقلتُ هذا الشاهد لغايتين اثنتين:
_ تأكيد أنّ اليونينية صعبة المراس، وأنَّ التعامل مع رموزها يحتاج إلى دربة طويلة واستقراء كامل شامل ...
_ تأكيد ضرورة التثبت فيما يتعلق بالأسماء المبهَمة في الأسانيد، وعدم المسارعة إلى إلغائها أو التعجُّل في تحديد هوية أصحابها. وأحمد هذا الذي ذكره البخاري دوّخ العلماء، وبالعودة إلى كلام ابن حجر عنه في الموضع الذي أشرتُ إليه يتضح الكلام.
(يتبع ... )
ـ[الواحدي]ــــــــ[02 - Jan-2009, صباحاً 06:34]ـ
( ... تابع)
والذي ذكره الفاضل "القاموس" عن الشيخ عبد الكريم الخضير، من أنَّ أصول فتح الباري لا تضم متن "صحيح البخاري"، قد يخفى على البعض، لكنه صحيح ومعروف لدى حذّاق القراء وطلبة العلم. ومن المعلوم أنّ المتن المدمَج مع "الفتح" هو متن وقع فيه تلفيق ترجيحي بين الروايات المُشار إليها في اليونينية. ومن المعلوم أيضًا أنَّ ابن حجر اعتمد في شرحه للصحيح على رواية أبي ذر الهروي، لاعتباره أنها أتقن الرواية. وهذا لا يعني أنه أهمل بقية الروايات؛ فإنه كثيرًا ما يذكرها عند الحاجة.
وقد نبّه الشيخ عبد القادر شبة الخمد في مقدمته لفتح الباري إلى ذلك؛ بل جعله السبب الباعث لإعادة تحقيق "فتح الباري"، مع إدماج متن الصحيح برواية أبي ذر الهروي، لاكتشافه نسختين منها.
يقول شيبة الحمد في تحقيقه: "وقد غفل عامة مَن جمع متن "البخاري" مع "فتح الباري" عن شرط الحافظ ابن حجر رحمه الله، فقد جاءت جميع المتون التي خُطَّت أو طُبِعت مع فتح الباري ملفقة للرواة الآخرين".
¥