لكنك تجد أبا نعيم ذكره في "معرفة الصحابة"، مع أنه قال: "أدرك النبي –صلَّى الله عليه وسلَّم- ولم يره"!
وكذا فعل الطبراني في "المعجم الكبير" في الكنى (رقم: 18395)، وكأنما فعل ذلك احتياطا لأن يكون أبو معبد الجهني غير عبد الله بن عُكَيْم. وروى عنه حديث "مَن علَّق شيئا وكل إليه"، وفيه تصريحه بالسماع عن الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال في "معجم الزوائد" (رقم: 8400): "رواه الطبراني في ترجمة أبي معبد الجهني في الكنى، قال: "وقد قيل: إنه عبد الله بن عُكَيْم". قلت: فإن كان هو فقد ثبتت صحبته بقوله: "سمعت". وفي إسناده محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات".
ولهذا قال ابن عبد البر: اختُلف قي سماعه من رسول الله –صلَّى الله عليه وسلَّم- من روايته "مَنْ علَّق شيئا وُكِل إليه". وقال البغوي: "يُشَكُّ في سماعه".
وقد صرَّح ابن أبي شيبة أنَّ أبا معبد الجهني في هذا الحديث هو عبد الله بن عُكَيْم، لكن ليس في روايته التصريح بالسماع من الرسول –صلّى الله عليه وسلَّم. وكذا الأمر بالنسبة لرواية الترمذي (بلفظ "مَنْ تَعَلَّقَ")، فقد قال: "وعبد الله بن عُكَيْم لم يَسمع مِن النبيِّ –صلَّى الله عليه وسلَّم".
وعلى ضوء ما سبق، ينبغي أن نفهم ما جاء في "المراسيل":
"سألت أبي عن عبدالله بن عُكَيْم، قلت: "إنه يروي عن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنه قال" "مَنْ عَلَّق شيئًا وُكِّل إليه". فقال: "ليس له سماع من النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إنما كَتَب إليه". قلت: "أحمد بن سنان أدخله في مسنده"! قال: "مَن شاء أَدْخَلَه في مسنده على المجاز".
أي: تجوُّزًا، وإن لم يكن من الصحابة. فإدراج عبد الله بن عُكَيم وقع في بعض مصادر التراجم، أو بعض المسانيد، إنما وقع تجوُّزا على الاصطلاح الذي به يعرف الصحابي. وإلا فهو من كبار التابعين، وقد روى عن عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعائشة –رضي الله عنهم أجمعين.
والله أعلم.
* إضافة: جاء في "نزهة النظر": "و (في) قولي: (ظاهِرُهُ الاتِّصالُ) يُخرِج ما ظاهِرُه الانقطاع، ويُدخِل ما فيه الاحتمال، وما يوجَد فيه حقيقةُ الاتِّصالِ مِن باب أَوْلى. ويُفهَمُ مِن التَّقييد بالظُّهور أَنَّ الانقطاعَ الخفيَّ، كعنعَنَةِ المدلِّسِ والمعاصرِ الذي لم يَثبُت لُقِيُّهُ، لا يُخرِجُ الحديثَ (عَنْ) كونِه مُسنَداً؛ لإِطباقِ الأئمَّةِ الَّذينَ خَرَّجوا المسانيدَ على ذلك". فلْيُتأَمَّل)
* ملاحظة: في "كنز العمَّال": "عن أبي سعيد الجهني"، وهو –والله أعلم- وهْمٌ تبع فيه المُناوي في "فيض القدير. فلْيُتأمَّل)
(يتبع ... )
ـ[الواحدي]ــــــــ[28 - عز وجلec-2008, صباحاً 12:49]ـ
( .. تابع)
* المثال الثاني: يزداد (أو: أَزداد) بن فسا (أو: فَسَاءَة) اليماني الفارسي. روي عنه حديث واحد مرفوعًا إلى الرسول –صلّى الله عليه وسلَّم، وابنه عيسى لم يرو عنه ولا عن غيره إلا هذا الحديث، والراوي عنه هو: زمعة بن صالح الذي قال عنه البخاري: "ليس حديثه بالقائم"، وحُكِم عليه بالضعف. وقد اعتُبِر يزداد وابنه مجهولين.
وقال ابن عبد البر: "يقال له صحبة، وأكثرُهم لا يعرفونه". ثم ذكر أنَّ ابن معين قال: "لا يُعرَف عيسى هذا ولا أبوه". ثم عقَّب عليه بقوله: "وهو تَحامل منه".
-------------------
وهنا أفتح قوسا بقصد الاستفادة:
قرأت في "الضعيفة" (رقم 1621) قول الألباني -رحمه الله- تعقيبا على ابن عبد البر، وهذا نصه:
"وتعقَّبَه (أي: تعقَّب ابنُ عبد البر قولَ ابن معين) بقوله: "وهو تحامل منه"! و لا وجه لهذا التعقب البتة، لاسيما و هو -أعني: ابن عبد البر- لم يعرفه إلا من الوجه الأول، فقال عقبه:"لم يرو عنه غير عيسى ابنه، و هو حديث يدور على زمعة بن صالح، قال البخاري: ليس حديثه بالقائم ". فإذا كان لم يرو عنه غير ابنه، و كان هذا لا يُعرَف، كما في "الضعفاء" للذهبي، أو مجهول الحال كما في "التقريب"، و كان أبوه لم يصرح بسماعه من النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم، فأيُّ تحامُل -مع هذا- في قول ابن معين المذكور، لاسيما و هو موافق لقول أبي حاتم؟! "
والذي حيَّرني في كلام الألباني هو أنَّ عيسى بن يزداد لم يرو عنه زمعة بن صالح وحده، بل روى عنه أيضًا زكريا بن إسحاق المكي. وزكريا هذا ثقة، بل هو من رجال البخاري!
¥