وهنا يُطرَح السؤال: زكريا بن إسحاق روى عن عيسى بن يزداد وصرَّح باسمه. وهذا يُخرج مسألتنا هذه عن الثقة إذا روى عن مجهول. ولم يرو عن زمعة بن صالح. وهو ثقة، ومن رجال البخاري. وعيسى بن يزداد ذكره ابن حبان في "الثقات". لماذا اعتُبِر إذن عيسى بن يزداد مجهولا؟ ولماذا أكَّد الألباني أنه لا يُعرَف، مع أنه أشار قبيل النص المنقول عنه إلى أنّ زمعة لم يتفرَّد بالحديث "فقد تابعه زكريا بن إسحاق عن عيسى بن يزداد في رواية لأحمد، و رواه البيهقي عنه مقرونا مع زمعة"؟!!
---------------------------
وهنا أغلق القوس، للرجوع إلى ما كنَّا فيه:
إذن، مع اعتبار يزداد مجهولا، تجد الإمام أحمد ذكره في مسنده، وكذا فعل أبو نعيم. وذكرته أيضا المصادر التي جردت أسماء الصحابة. وعلى ضوء هذا ينبغي فهم قول أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن عيسى بن يزداد:
"ليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز. وهو وأبوه مجهولان".
أي: تجوُّزًا، لأنه مجهول. وقد قال عن عبيد الله بن محصن الأنصاري: "يدخل في المسند، ولا ندري له صحبة أم لا".
والعجيب أن ابن أبي حاتم لمَّا تحدَّث عن يزداد بن فسا قال: "روى عن النبيِّ –صلَّى الله عليه وسلَّم. مرسل"، وقد اعتبره هو وابنه مجهولين!
والله أعلم.
والآن يمكننا تناول قول أبي حاتم في "المراسيل":
"سعيد بن المسيب عن عمر: مرسَل، يدخل في المسنَد على المجاز".
وهنا ثلاثة اعتبارات جعلت أبا حاتم يستعمل عبارة "على المجاز".
1_ القول بسماع سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطاب، بناءً على أنه سمعه ينعي النعمان بن مقرن. وهذا لا يُعتبَر سماعًا على الحقيقة، وهي المرة الوحيدة التي سمعه فيها. ولهذا لم يصحح أبو حاتم سماعا لسعيد بن المسيّب عن عمر.
2_ تعريف المسند. والظاهر أنَّ مراد أبي حاتم هنا بالمسنَد هنا: ما ظاهره الاتصال. أي: يسَمَّى ما أرسله سعيد بن المسيّب عن عمر متَّصلا تجوُّزا، لأنه لم يسمع منه.
3_ تعريف المرسَل. والظاهر أيضا أنّ مراد أبي حاتم: ما ظاهره الانقطاع. فحديث سيعد بن المسيّب عن عمر ظاهر الانقطاع، اللهم إلا إذا ثبت اتصاله بوسيط.
وبالتالي يكون مدلولة عبارة أبي حاتم ما يلي= (ما يرويه) سعيد بن المسيّب عن عمر: مرسَل (منقطع، أو ظاهره الانقطاع)، لكنَّه يُلحَق بالمسنَد (أي: المتصل) تَجَوُّزًا.
أي: تجوُّزا على مصطلح "المسنَد"، لاعتبارات وقرائن أخرى خارجة عن لفظ هذا السند، وقد يكون سببها الحكم بالغالب. ويفسر ذلك قول ابن عبد البر: "ورواية سعيد عن عمر تجري مجرى المتصل، وجائز الاحتجاج بها عندهم ".
والله أعلم.
ـ[الواحدي]ــــــــ[28 - عز وجلec-2008, صباحاً 01:38]ـ
* إضافات:
* يسمَّى الحديث الحسَن ثابتا تجوُّزا (وابن المنذر يستعمل ذلك كثيرًا). والذين أطلقوا عليه وصف "ثابت" إنّما نظروا إلى حكم العمل به، لا باعتبار سنده. (انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح)
* قد يوصف من كانت عدالته مشهورة بالكذب تجوُّزًا. ومن ذلك قول ابن حبّان: "يكذب وَهْمًا، لا تعمُّدًا". فإطلاق الكذب في هذه المواضع لا يُراد به حقيقته، بل مطلَق التضعيف مجازًا.
* قال أبو حاتم عن محمد بن أبان بن صالح القرشي: "ليس هو بقويٍّ في الحديث. يكتب حديثه على المجاز، ولا يحتج به". ومراده أنه يُكتَب للاستشهاد، لا للاحتجاج.
* جاء في "الجرح والتعديل": "سلمة بن عمرو بن الاكوع. والرواة تقول في المجاز: سلمة ابن الاكوع، ينسبونه إلى جده". أي: يفعلون ذلك تجوُّزًا.
وقال في موضوع آخر: "زبرقان عن عمِّه عمرو بن أمية". وأبو حاتم لجأ هنا إلى التجوُّز، لأن الزبرقان بن عبد الله هو ابن ابن أخى عمرو بن أمية الضمرى؛ وذلك يعني أنّ عمر بن أمية عمّ والده، لا عمّه هو.
وهذا يقع في كلامهم، مثل إطلاق الأم على الجدة وما إلى ذلك. ومثله أيضا قول جابر: "أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة"، مع أنهما من أبناء عمومة أمّه ...
والله أعلم، وهو وليُّ التوفيق.
ـ[الواحدي]ــــــــ[28 - عز وجلec-2008, صباحاً 03:09]ـ
* توضيح:
-------------------
وهنا أفتح قوسا بقصد الاستفادة:
قرأت في "الضعيفة" (رقم 1621) قول الألباني -رحمه الله- تعقيبا على ابن عبد البر، وهذا نصه:
"وتعقَّبَه (أي: تعقَّب ابنُ عبد البر قولَ ابن معين) بقوله: "وهو تحامل منه"! و لا وجه لهذا التعقب البتة، لاسيما و هو -أعني: ابن عبد البر- لم يعرفه إلا من الوجه الأول، فقال عقبه:"لم يرو عنه غير عيسى ابنه، و هو حديث يدور على زمعة بن صالح، قال البخاري: ليس حديثه بالقائم ". فإذا كان لم يرو عنه غير ابنه، و كان هذا لا يُعرَف، كما في "الضعفاء" للذهبي، أو مجهول الحال كما في "التقريب"، و كان أبوه لم يصرح بسماعه من النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم، فأيُّ تحامُل -مع هذا- في قول ابن معين المذكور، لاسيما و هو موافق لقول أبي حاتم؟! "
والذي حيَّرني في كلام الألباني هو أنَّ عيسى بن يزداد لم يرو عنه زمعة بن صالح وحده، بل روى عنه أيضًا زكريا بن إسحاق المكي. وزكريا هذا ثقة، بل هو من رجال البخاري!
وهنا يُطرَح السؤال: زكريا بن إسحاق روى عن عيسى بن يزداد وصرَّح باسمه. وهذا يُخرج مسألتنا هذه عن الثقة إذا روى عن مجهول. ولم يرو عن زمعة بن صالح. وهو ثقة، ومن رجال البخاري. وعيسى بن يزداد ذكره ابن حبان في "الثقات". لماذا اعتُبِر إذن عيسى بن يزداد مجهولا؟ ولماذا أكَّد الألباني أنه لا يُعرَف، مع أنه أشار قبيل النص المنقول عنه إلى أنّ زمعة لم يتفرَّد بالحديث "فقد تابعه زكريا بن إسحاق عن عيسى بن يزداد في رواية لأحمد، و رواه البيهقي عنه مقرونا مع زمعة"؟!!
---------------------------
لعلّ ذلك لأنَّ عيسى بن يزداد يعتبر "مجهول الحال".
وبما أنه لم يروِ عنه إلا ثقة واحد (زكريا بن إسحاق)، ولكون الراوي الثاني ضعيفًا (زمعة بن صالح)، لم يرتفع خبره إلى درجة القبول.
ومذهب أبي حاتم أنَّ المجهول يظل له حكم المجهول ولو روى عنه جماعة من الثقات.
والله أعلم.
¥