يقول ابن القطان الفاسي (ت 638هـ) في (بيان الوهم والإبهام)، متحدّثًا عن أن إدخال الوسائط بين الراويين يدل على عدم السماع، عند عدم تصريح أحدهما بلقائه الآخر في رواية أخرى: ((ويكون هذا (يعني: الإنقطاع) أبين في اثنين لم يُعلم سماعُ أحدهما من الآخر، وإن كان الزمانُ قد جمعهما. وعلى هذا المحدِّثون، وعليه وضعوا كتبهم: كمسلم في كتاب (التمييز)، والدارقطني في (علله)، والترمذي، وما يقع للبخاري، والنسائي، والبزار، وغيرهم ممن لا يُحصَى كثرة: تجدُهم دائبين يقضون بانقطاع الحديث المعنعن، إذا رُوي بزيادة واحدٍ بينهما)).
ويقول العلائي في (جامع التحصيل)، في سياق ذكره لمذاهب العلماء في الحديث المعنعن: ((والقول الرابع: أنه يُكتفى بمجرّد إمكان اللقاء، دون ثبوت أصله. فمتى كان الراوي بريئًا من تُهمة التدليس، وكان لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنة ممكنًا من حيث السِّنّ والبلد= كان الحديثُ مُتّصلاً، وإن لم يأتِ أنهما اجتمعا قط. وهذا قول الإمام مسلم، والحاكم أبي عبدالله، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والإمام أبي بكر الصيرفي من أصحابنا. وقد جعله مسلم (رحمه الله) قولَ كافّةِ أهل الحديث)).
فهذان عالمان يَنُصَّان على مراعاة الإمام مسلم للقرائن، فذكر الأولُ: قرينةَ إدخالِ للوسائط، وذكر الثاني: قرينةَ بُعْدِ البلدان بين الراويين.
ويزيد قول هذين الإمامين قوّةً أمران:
- أن ابن القطان معتمدٌ في نقله لمذهب الإمام مسلم على كتاب له قد فُقِد أغلبه، وهو كتاب (التمييز). فعند ابن القطان زيادةُ علم، ليس لدينا منها إلا اليسير.
- وأن العلائي ممن ينصر رأي البخاري، ومع ذلك فقد أنصف مسلمًا عندما نقل هذا عنه.
ومع أني ما كنتُ أحسب أن أحدًا سيشكُ في أن إمامًا مثل مسلم (في نَقْدِه وجَهْبَذَتِه) كان مراعيًا للقرائن الشاهدة للسماع أو عدمه، لأن مراعاة هذه القرائن أمرٌ لا يخفى على طلبة الحديث في زماننا، فكيف بأحدِ أئمة العصر الذهبي للسنة؟!! = لكني أقول أخيرًا: هل يتصّورُ أحدٌ أن ناقدًا من النّقاد (دون مسلمٍ في العلم، فضلاً عن مسلم) كان يكتفي بالمعاصرة مطلقًا، دون نظرٍ منه إلى القرائن أبدًا؟!! وهل يتصوّرُ أحدٌ أنه لو روى راوٍ خراساني عن آخر أندلسيٍّ، أو روى يمانيٌّ عن قوقازي حديثًا واحدًا معنعنًا، مع روايته عنه أحاديث أخرى بواسطةِ راوٍ أو راويين فأكثر، وكان الحديث الأول (الذي يرويه معنعنًا بغير واسطة) فيه نكارةٌ لا يحتملها أحدُ من رواته= أن مسلمًا سيحكم باتّصال مثل هذا الحديث؟!!!
فإن قيل: بَالَغْتَ في ذكر القرائن، فلا يقول أحدٌ باتّصال مثل هذا الحديث.
فأقول: هذا هو معنى قولكم إن مسلمًا لا ينظر إلى شيءٍ سوى المعاصرة وانتفاء التدليس، فالمبالغة منكم لا مني!
وعليه فلا بُدَّ أن تُقِرَّ بأن لمسلمٍ نظرًا ما إلى القرائن، بل قد أقررتَ!
يبقى أن يزعم زاعمٌ بغير دليل، وغير ناظرٍ إلى الأدلّة المخالفةِ لقوله: إن نَظَرَ مسلمٍ إلى القرائن ضعيفٌ، لا كنظر غيره من الأئمة.
وكفى بحكاية مثل هذا الزعم بيانًا لبطلانه.
فإن ادُّعى دليلٌ لذلك: بأن مسلمًا أخرج أسانيد في صحيحه حُكم فيها بعدم لقاء رواتها لبعضهم، فإنه يلزم على هذا الاستدلال أن يكون البخاريُّ مثلَ مسلم، لأنه أخرج أيضًا أسانيد حُكم فيها بعدم لقاء رواتها لبعضهم!!
على أن الصواب: هو أن الشيخين (البخاريَّ ومسلمًا) كانا مراعيين لقرائن السماع وعدمه أتمَّ مراعاة، وأمّا ما أخرجاه وحُكم عليه بعدم السماع فإنه لا يتجاوز أن يكون اختلافَ اجتهادٍ بين الأئمة غالبًا، وقد يصح أن يُعتذر في بعض الأحاديث بأنهما إنما أخرجاها متابعةً أو شاهدًا لا على وَجْهِ الأصالة والاحتجاج، وقد يصحُّ أيضًا أن يكون إخراجُه بيانًا لعلّته!! فيما إذا كان سياقُ ذكرهما له يدل على هذا المعنى.
فأرجو من الأخ أن يقرأ كتابي الشيخ من جديد فإني لا أظنه قد قرأهما بتمعن!
ـ[أبو الفضل الجزائري]ــــــــ[25 - عز وجلec-2008, مساء 01:58]ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا في الحقيقة هنا بعيد عن المصادر الآن، وما فهمه الشيح حاتم من قول مسلم (دلالة البينة) بعيد جد البعد عن مراد الإمام مسلم، ومراده ظاهر لكل من أنصف -ولم يعتقد قبل ان يستدل - بالدلالة البينة "ثبوت عدم اللقاء"، وعدم ثبوته عنده من وجه قاطع يبقي إمكان اللقاء قائما وهو تفسير قوله مادام الأمر على الإمكان.
وقد أبديت للأخ بعض الأحاديث من صحيح مسلم توقف الأئمة في عنعناتها لبعد البلدان أو غير ذلك من القرائن التي ندندن حولها، فلما أخرج مسلم هذه الأحاديث لو كان يراعي هذه القرائن؟
والقائمة طويلة من أمثال هذه الأحاديث التي اعلها الأئمة بالانقطاع وخرجها مسلما جريا على الأصل الذي أصله وما جامع التحصيل للعلائي عنك ببعيد، وأنا عندي عدة أمثلة سأجلبها بإذن الله.
أما الاستدلال بأن مسلما راعى القارئن بمثال واحد والمثال فيه ما فيه، فهذا لا أظنه منهجا عليما مستقيما، وصنيع مسلم بالنسبة للمثال المضروب يحتمل أكثر مما حصره فيه المؤلف، وقد نعى على أحد الدكاترة في مناقشة الانتفاع حصر أمور محتملة في احتمال واحد وإذا به يفعله.
لا تنه عن خلق و ....
والحسن البصري رحمه الله معروف بالإرسال والتدليس، وهذا وحده كاف أن يجتنب الإمام مسلم حديثه عن عمران بن حصين وغيره والله المستعان. وللحديث بقية والله أعلم.
¥