وأما عمل مسلم بالقرائن فقد تكلم عنهما الشيخ حاتم في كتابيه كلاما قويا , وطويلا. وقد بحثت عن كتاب الانتفاع في المواقع فلم أجده بصيغة الوورد لأنسخ منه ردَّه القوي عليك. لكني وجدت كلامه في إجماع المحدثين كافيا.
حيث قال.لقد صَرّح مسلمٌ بهذا الشرط عندما قال -كما سبق-: ((إلا أن يكون هناك دلالة بيّنةٌ أن هذا الراوي لم يَلْقَ من روى عنه أو لم يسمع منه شيئًا)). فهذا نصٌّ صريحٌ أن المعاصرة قد تحصل بين الراويين، لكن يمنع من الحكم بالاتصال -عند مسلم- وجودُ دلالةٍ واضحةٍ تنفيه وتمنعه.
فما هو مقصود مسلم بـ (الدلالة البيّنة)؟
لا شك أن الراوي لو نَفَى عن نفسه السماعَ ممن عاصره، أو علمنا من أخبارهما أنهما لم يجتمعا في بلدٍ واحد قطّ، ولا كانت بينهما مكاتبةٌ أو إجازة= فإن هذه من أبين الدلائل على عدم الاتصال. وحينها فلن يحكم مسلم بالاتّصال، على ما يقتضيه كلامُه الصريحُ في ذلك، وعلى ما نصّ عليه ابن رُشيد السبتي أيضًا. بل هذه الحالة لا تحتاج إلى تنصيص، لأن شرط الاتّصال الذي يشترطه مسلم هنا قد تيقّنا من عدم تحققه، وأصبح انتفاؤه واضحًا، لا قيمةَ معه من اشتراطِ المعاصرة وعدم التدليس.
لكن هناك دلائل بيّنةٌ عند أهل الحديث غير تلك الدلائل اليقينيّة، مثل بُعْدِ البلدان، أو إدخال الوسائط، ونحو ذلك من القرائن التي تشهد لعدم السماع وتُغلّبُ عدمَ حصوله.
فهل هذه الدلائل تَدْخُل في (الدلالة البيّنة) التي ذكرها مسلم؟
الظاهرُ والأصل دخولها فيها، لأنها داخلةٌ في معنى ما ذكره مسلم.
ويؤكد مراعاة مسلم لهذه القرائن أمور:
الأول: صريحُ كلامه، وذلك في قوله بعد ذكره (الدلالة البيّنة):
((فأمّا والأمر مبهم، على الإمكان الذي فسّرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بيّنا)).
فتأمّل قوله: ((والأمر مبهم))، وما تدل عليه من أن الحكم بالاتّصال بين المتعاصرين إنما يقول به مسلم عندما لا تكون هناك مرجّحات وقرائن تميل بكفّة المسألة إلى عدم السماع، إذ لو كانت هناك مثل تلك المرجحات والقرائن لم تُوصفِ المسألةُ بأن الأمر (أي أمر الاتصال) فيها مبهمٌ.
ثم يؤكّد مسلمٌ أنه كان يراعي القرائن التي تحتفُّ برواية المتعاصرين، فإما أن تؤيدَ احتمال السماع أو أن تُضْعِف احتماله، وذلك في قوله: ((أن كل إسنادٍ لحديثٍ فيه فلانٌ عن فلان، وقد أحاط العلمُ بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائزٌ أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به .. )).
فَتَنَبَّهْ إلى أنه ذكر المعاصرة، ثم أضاف إليها شرطًا آخر، وهو جواز السماع وإمكانه، وهو يعني عدم وجود قرائن تُبعد احتمال اللقاء.
الثاني: تطبيقاتٌ لمسلم تدل على مراعاته للقرائن:
ولها عِدّة أمثلة، سنُأجّلُها إلى موطنٍ لاحقٍ. وسأكتفي منها هنا بمثال واحدٍ:
لقد تجنّب الإمامُ مسلم الإخراجَ للحسن البصري عن عمران بن حصين رضي الله عنه في صحيحه خوفًا من عدم تحقق السماع بينهما، مع أن الحسن البصري وُلد سنة (21هـ)، وتوفي عمران بن حصين سنة (52هـ أو 53هـ). فالحسن معاصرٌ لعمران زيادةً على ثلاثين عامًا، ساكنَ الحسنُ خلالها عمران بين حصين في بلد واحد (هو البصرة) خمس عشرة سنة. ثم إن عمران بين حصين رضي الله عنه كان أحدَ فقهاء الصحابة الذين بعثهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتعليم الناس بالبصرة، فكان عمران بن حصين بذلك متصدِّرًا للتعليم في بلد الحسن البصري، ولم يكن منعزلاً أو محجوبًا بإمارة أو ولاية.
ومع ذلك كلِّه يقول الحاكم في (المستدرك) عقب حديث للحسن عن عمران رضي الله عنه: ((حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بطوله. والذي عندي أنهما لم يُخرجا من ذلك خشية الإرسال. . .)).
وقال في موطن آخر، مُصَرِّحًا بأنّ للشيخين قولاً في هذه المسألة ينقله الحاكم عنهما: ((لم يُخرج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج في هذه الترجمة حرفًا، وذكرا أن الحسن لم يسمع من عمران، والذي عندي أن الحسن سمع من عمران)).
فلمَ خشيَ مسلمٌ الإرسالَ، مع تحقق المعاصرة الطويلة؟!
الثالث: نصَّ على مراعاة مسلم للقرائن غيرُ واحدٍ من العلماء:
¥