.. ولما كانت العبادة المختلة بشرك أو غيره ساقطة والازدياد من الصحيحة والاستمرار عليها عبادة جديدة يحسن الأمر بها خاطب الفريقين فقال: (اعبدوا ربكم) أي الذي لا رب لكم غيره عبادة هي بحيث يقبلها الغني.
ثم وصفه بما أشارت إليه صفة الرب من الإحسان تنبيها على وجوده ووجوب العبادة له بوجوب شكر المنعم فقال: (الذي خلقكم) , قال الحرالي: (الذي) اسم مبهم مدلوله ذات موصوف بوصف يعقب به وهي الصلة اللازمة له , والخلق تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة (والذين من قبلكم) القبل ما إذا عاد المتوجه إلى مبدأ وجهته أقبل عليه - انتهى.
ثم بين نتيجتها بقوله: (لعلكم تتقون) أي لتكون حالكم بعبادته لأنها كلها محاسن ولا حسن في غيرها حال من ترجى له التقوى
وما أحسن الأمر بالعبادة حال الاستدلال على استحقاقها بخلق الأولين والآخرين وما بعده عقب إثبات قدرة الداعي المشيرة إلى الترهيب من سطواته ولقد بدع هذا الاستدلال على التفرد بالاستحقاق عقب أحوال من قرب أنهم في غاية الجمود بأمور مشاهدة يصل إليها كل عاقل بأول وهلة من دحو الأرض وما بعده مما به قوام بقائهم من السكن والرزق في سياق منبه على النعمة محذر من سلبها دال على الإله بعد الدلالة بالأنفس من حيث إن كل أحد يعرف ضرورة أنه وجد بعد أن لم يكن , فلا بد له من موجد غير الناس , لما يشاهد من أن حال الكل كحاله بالدلالة بالآفاق من حيث إنها متغيرة , فهي مفتقرة إلى مغير هو الذي أحدثها ليس بمتغير , لأنه ليس بجسم ولا جسماني في سياق مذكر بالنعم الجسام الموجبة لمحبة المنعم وترك المنازعة وحصول الانقياد
(فراشا) وهي بساط سقفه السماء وهي مستقر الحيوان من الأحياء والأموات , وأصله كما قال الحرالي: بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك (والسماء بناء) أي خيمة تحيط بصلاح موضع السكن وهو لعمري بناء جليل القدر , محكم الأمر , بهي المنظر , عظيم المخبر.
ورتبت هذه النعم الدالة على الخالق الداعية إلى شكره أحكم ترتيب , قدم الإنسان لأنه أعرف بنفسه والنعمة عليه أدعى إلى الشكر , وثنى بمن قبله لأنه أعرف بنوعه , وثلث بالأرض لأنها مسكنه الذي لا بد له منه , وربع بالسماء لأنها سقفه , وخمس بالماء لأنه كالأثر والمنفعة الخارجة منها وما يخرج بسببه من الرزق كالنسل المتولد بينهما فقال: (وأنزل) قال الحرالي: من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى.
(من السماء) أي بإثارتها الرياح المثيرة للسحاب الحامل للماء (ماء) أي جسما لطيفا يبرد غلة العطش , به حياة كل نام.
وأتي بجمع القلة في الثمر ونكر الرزق مع المشاهدة لأنهما بالغان في الكثرة إلى حد لا يحصى تحقيرا لهما في جنب قدرته إجلالا له فقال: (به من الثمرات رزقا) وإخراج الأشياء في حجاب الأسباب أوفق بالتكليف بالإيمان بالغيب , لأنه كما قيل: لولا الأسباب لما ارتاب المرتاب , والثمر كما قال الحرالي: مطعومات النجم والشجر وهي عليها , وعبر بمن لأن ليس كل الثمرات رزقا لما يكون عليه وفيه من العصف والقشر والنوى , وليس أيضا من كل الثمرات رزق فمنه ما هو للمداواة ومنه سموم وغير ذلك.
وفي قوله: (لكم) إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم ومصيرا إلى أن يعود بالجزاء منهم.
وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين ذكر صلة الثاني بلفظ الجعل , لأن حال القوام مرتب على حال الخلق ومصير منه , فلا يشك ذو عقل في استحقاق الانقياد لمن تولى خلقه وأقام تركيبه؛ ولا يشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو غفلة فوجد بساطا قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه وعولج له طعام وشراب قدم له أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها ولتقلد نعمته وإكباره؛ فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان ويدخل العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية على مقتضى أحوال العرب , لأن العرب لا تعدو بأنفسها العلم الضروري وليس من شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الإمارات والأدلة , فعوملت بما جبلت عليه فتنزل لها لتكون نقلتها من فطرة إلى فطرة ومن علم وجداني إلى علم وجداني علي لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها , لأن كل علم مكتسب
¥